الجبل بوصفه مأوى وهوية في الرواية الكردية
لطالما احتل الجبل مكانة رمزية عميقة في المخيال الكردي، حيث مثّل فضاءً للحماية، والمقاومة، والكرامة. في الرواية الكردية، يظهر الجبل ليس فقط كعنصر جغرافي، بل كرمز متكامل للهوية القومية، وموقع للتأمل والمواجهة. تتناول عدة روايات كردية الجبل بوصفه مركزًا مكانيًا وروحيًا، ومن بينها روايات مثل عين الجبل و*أغنية الحجر* و*بنادق في الضباب*، التي تُعيد تشكيل الجبل في سياقات سردية تتراوح بين الواقعية والرمزية.
الجبل في الرواية الكردية هو المكان الذي لجأ إليه الأجداد حين طاردهم الظلم، وهو الموقع الذي انطلقت منه الحركات التحررية، كما أنه معقل الذاكرة الشعبية. لا يُصوَّر الجبل ككتلة صخرية صامتة، بل يُمنح صوتًا، روحًا، وتاريخًا. في رواية عين الجبل مثلًا، يتحول الجبل إلى راوٍ، يروي عبر شقوقه وأشجاره قصص مَن صعدوا إليه طلبًا للحرية أو هربًا من الجوع والحرب.
تُجسد شخصية شيرو في أغنية الحجر هذا الرابط بين الإنسان والجبل، إذ يفقد منزله في المدينة، ويجد نفسه يهرب إلى الجبل بحثًا عن ملاذ، وهناك، يستعيد جذوره، يتعلّم معنى المقاومة، ويكتشف نفسه. الجبل هنا ليس مجرد مكان للهرب، بل مدرسة في الصبر، والتحمل، والكرامة. وهو المكان الوحيد الذي لا تُخترق حرمته من قبل المحتلين أو السجّانين، ما يُمنحه بعدًا طهوريًا، يكاد يكون مقدّسًا.
كما يظهر الجبل في الرواية الكردية كمكان للمرأة المقاومة. في بنادق في الضباب، تنضم بطلة الرواية إلى صفوف المقاتلات الكرديات في أحد الجبال، وتصف الرحلة إليه بأنها ولادة جديدة. وهكذا، يتحوّل الجبل من فضاء ذكوري تقليدي إلى حاضن للنساء أيضًا، اللواتي يصنعن ذاكرته من جديد عبر مشاركتهن في الحكاية.
اللغة المستخدمة في توصيف الجبل تتراوح بين الشعرية والمباشرة. يُستحضر الجبل بألوانه، أصواته، صخوره، أزهاره، وحتى طقسه. تتشابك الصور الحسية (البرد، الضباب، الصمت) مع الرموز التاريخية، ليخلق الكاتب فضاءً مزدوجًا بين الواقع والميتافيزيقا. الجبل هو البيت الأخير في زمن السقوط، والأمل الأول حين يضيق الأفق.
في الروايات الكردية، الجبل لا يموت. حتى حين يُقصف أو يُحاصر، فإنه يعود إلى الحياة عبر الحكايات، والقصائد، وأسماء الشهداء المنقوشة على صخوره. الجبل هو ما تبقّى للكردي حين تفنى السهول والبيوت والحدود.
خلاصة القول، الجبل في الرواية الكردية ليس فقط مشهدًا طبيعيًا، بل سجلًا للهوية القومية، ومرآة للمأساة والانبعاث. إنه المكان الذي لا يخون، ولا يبيع، ولا يسقط. وفي قلب كل رواية كردية، يقف جبل، شاهقًا، شامخًا، لا يزال يروي.
[1]