المكان المقدّس في الرواية الكردية: قراءة في رمزية القبور والمزارات
يشغل المكان المقدّس في الرواية الكردية حيّزًا مركزيًا لا بوصفه عنصرًا دينيًا تقليديًا فقط، بل كعلامة ثقافية وروحية تقاوم النسيان والتشويه. تظهر المزارات، القبور، وأضرحة الأولياء في عدد من الروايات الكردية كأماكن تتقاطع فيها الذاكرة الجماعية مع الموروث الشعبي، ويتجسّد فيها التفاعل بين التاريخ، الأسطورة، والهوية. في هذا السياق، يُمثّل المكان المقدّس مساحة حماية رمزية وسط عالم مضطرب.
في رواية ظل الحجر الأخضر، تدور أغلب الأحداث حول مزار كردي قديم في إحدى القرى الجبلية. يتعامل أهل القرية مع هذا المزار ليس كعنصر ديني صرف، بل كمركز اجتماعي وروحي وثقافي. تقام حوله الطقوس، يُعقد فيه الصلح، تُطلب فيه البركات، ويُدفن إلى جواره من يُعتبر من أهل الشرف. هكذا، يتحول المكان من ضريح إلى قلب القرية، حيث يتم تشكيل الهوية الجماعية من خلال الطقوس اليومية.
الرواية توظّف المكان المقدّس بوصفه خط دفاع رمزي ضد الاستلاب الثقافي. فعندما تحاول السلطات نقل الضريح أو تحويله إلى موقع أثري رسمي، يثور الأهالي، ليس دفاعًا عن المزار بوصفه دينيًا، بل لأنه يُجسّد استمرارية وجودهم. وهنا يُصبح المكان رمزًا للمقاومة الثقافية، تمامًا كما تكون الأرض أو اللغة أو الحكاية.
تُستخدم الرموز الدينية بشكل موارب في الرواية، فالكاتب لا يقع في التقديس المباشر، بل يُظهر علاقة الشخصيات بالمكان المقدس كمزيج من الإيمان والتقاليد والعاطفة والانتماء. فالفتاة ليلاف، التي. فالفتاة ليلاف، التي نشأت بجوار المزار، تربط بين ذكريات طفولتها وصوت والدتها بالدعاء، وبين رائحة الأعشاب الجبلية المحيطة بالضريح، فتتجلى علاقتها بالمكان على أنها حنين إلى الطمأنينة الأصلية، لا إلى العقيدة المجردة. وعندما تُجبر الأسرة على الرحيل، تحمل ليلاف حفنة من تراب المزار في منديل، كما لو أنها تحمل قطعة من هويتها، وطنًا رمزيًا مصغّرًا.
في المقابل، يقدم أحد شخوص الرواية — المعلّم المثقف الذي عاد إلى القرية بعد سنوات من الغربة — قراءة نقدية للمكان، مشيرًا إلى ضرورة تجاوز القداسة العمياء نحو وعي تاريخي بالمكان. لكن الرواية لا ترفض هذا الجدل، بل تحتضنه ضمن تعددية سردية تعكس واقع المجتمع الكردي: ما بين الرغبة في التحديث، والخوف من فقدان الجوهر الروحي والثقافي.
من الناحية الفنية، يكتب الروائي تفاصيل المكان المقدس بلغة تتراوح بين الرقة الشعرية والواقعية الدقيقة. لا يكتفي بوصف الضريح أو شجرة الجوز التي تحرسه، بل ينسج حولهما مشاهد صوتية وبصرية تجعل القارئ يعيش قدسية المكان، ويشعر بخشوعه الداخلي. المكان يُروى لا بوصفه فقط، بل بوصف ما يحمله من أثر.
عبر المكان المقدّس، تتناول الرواية أيضًا فكرة الذاكرة المحرَّمة، إذ يُمنع الناس لاحقًا من زيارة المزار بسبب بناء قاعدة عسكرية على الجبل المجاور. هنا يتحوّل المكان من فضاء مفتوح إلى ممنوع، ويصبح رمزًا للسلطة التي لا تقمع الأجساد فحسب، بل المقدسات والذاكرة أيضًا. في ذلك التقييد المادي، تنشأ مقاومة من نوع جديد: سرد الحكايات، تناقل أسماء الأولياء، رسم الضريح في دفاتر الأطفال، ليظل المكان حيًا رغم الحصار.
في الخلاصة، تؤكد رواية ظل الحجر الأخضر أن الأماكن المقدّسة في السياق الكردي ليست مجرد مواقع دينية، بل بُنى للهوية والذاكرة والصراع. إنها رواية عن مكان لا يُقاس بعدد أمتاره، بل بعمق أثره في النفوس. وفي ظل محاولات الطمس المستمرة، يبقى المكان المقدّس صامدًا، محفورًا في اللغة والروح والسرد.
[1]