الانسحاب الأمريكي وخيارات مجلس سوريا الديمقراطية
ماذا يعني لو حكم رجل أعمال أو رئيس شركة؛ دولة عظمى ومركز قرار؟؟
هل تعلمون أن المال لا يصنع من صاحبه سياسي مخضرم ؟؟
ألا تعلمون أن منطق البزنس لا يصنع لصاحبه سوى مسارٍ محددٍ ووَحيدٍ وهو كيفية اكتناز الذهب والفضة وتوسيع شركاته وشراء الأراضي والعقارات وتطبيق ذلك في السياسة؟؟
إذاً لماذا نتفاجأ بقرار انسحاب القوات الأمريكية من سورية حتى من دون أن تحقق مهمتها في محاربة الارهاب؛ وما زال في سُدَّة الحكم رجل بهذا المستوى ولا يفكر سوى بمنطق الربح والخسارة المادية ضارباً بعرض الحائط كل ما كانت تنادي به أمريكا في محاربة الإرهاب؟؟
الغريب في أمر الانسحاب هو المفاجأة والذي جاء عبر قنبلة تويترية التي لعبت وتماهت معها مكنة وسائل الاعلام العربية والعالمية، وصُبَّت كلها في صالح الحرب النفسية التي تخوضها تركيا ضد الشمال السوري (بالطبع لا نقلل من أهمية وجود الجنود الأمريكيين الرمزي في الشمال السوري)، وتوالت ردود الأفعال الدولية المستنكرة لهذا الانسحاب وخصوصاً من دول التحالف التي أبدت امتعاضها من هذا القرار، وبموازاة ذلك رأينا ارتفاع صوت أردوغان وحاشيته من الحرملك العثماني بالتهديد والوعيد الأكثر شدَّة وحدَّة ضد شرق الفرات، بيد أن المتتبع لهذه التهديدات والمدقق فيها سيكتشف أنها لم تشمل وحدات الحماية الكردية فقط بل شملت قوات سوريا الديمقراطية المؤلفة من كافة مكونات الشعب السوري بل أن النسبة العظمى منها هم من المكون العربي؛ مما يعني ويؤكد بأن أردوغان ضد كل من يحارب الإرهاب وضد حرية الشعوب كلها إلّا إذا كانت تأتمر بأمره وتعمل كشركات إنتاج لديه، ولكن وعلى الرغم من ذلك وما يدعوا للأسف والحزن هو أننا لم نرَ موقفاً مستنكراً من أيَّة دولة عربية ضد تركيا وتهديداتها للكرد (المتهمون بالإرهاب لدى تركيا حتى لو حملوا في أيديهم فسائل الزيتون وشتلات الياسمين) رغم النفور والتباعد الحاصل بين دولتين عربيتين محوريتين وبين تركيا، وهما جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، وتاركين الحبل على غاربه لأردوغان في التهديد والوعيد، ويتفرجون على معاناة ومآسي الكُرد وشعوب الشمال السوري بصمت رهيب، وهذا ما يُدمي القلوب ويذكرني بقول الشاعر نزار قباني:
يا صلاح الدين باعوكَ وباعونا جميعاً في المزاد العلني
يا صلاح الدين هل تسمع تعليق الإذاعات؟
وهل تصغي إلى هذا البغاء العلني؟؟
أنا منذ خمسين عاماً أراقب حال العرب
وهم يرعدون ولا يمطرون… ويدخلون الحروب ولا يخرجون.
رأيت جيوشاً ولا من جيوش… رأيت فتوحاً ولا من فتوح.
ربَّما، ولعلَّ، وقَدْ نرى صحوةَ ضميرٍ أو نهضةً للحكام العرب، وهذا ما سيكشفه لنا قابل الأيام؛ بل هذا ما يحتم ويُوجِبْ على كل الساسة في الشمال السوري طَرْق أبواب هاتين الدولتين (وخصوصاً أن العدو واحد والقضية واحدة) لتضع حداً للعربدة التركية وذرائع أردوغان التي ما هي إلا حجج واهية تفتقر إلى أدنى حدٍ من المصداقية لدى كل العالم الصامت كصمت القبور.
على المقلب الآخر وفيما يتعلق بالدولة السورية عليها القيام بواجباتها الأخلاقية في الدفاع عن أرضها وشعبها وهذه القوَّة العسكرية قوات سوريا الديمقراطية التي لم تتوان يوماً في الدفاع عن أرض سوريا في محاربة الإرهاب الأردوغاني وحملت عبئاً ثقيلاً طيلة سنواتٍ خَلَتْ انطلاقاً من منطلق المبادرات التي كانت تطلقها مجلس سوريا الديمقراطية للحوار والتقارب والتفاهم بينه وبين النظام السوري والدولة السورية للوصول إلى صيغة ترضي كافة الأطراف، وعلى الدولة السورية أن تفعل الشيء نفسه بعيداً عن منطق الابتزازات وحشر هذا المجلس وهذه القوات في الزاوية وسد منافذ الحلول في وجهها وفرض الشروط التي تؤدي إلى تأجيج الصراع أكثر وإراقة الدماء السورية إلى ما لا نهاية؛ إذ لا يحق لأحد في الشمال السوري التنازل عن دماء الشهداء الذين رووا بدمائهم هذه الأرض للحفاظ على وحدة الأراضي السورية والعيش الكريم الحر وتحصيل حقوقهم.
اليوم المسألة مصيرية والقضية قضية وجود أو عدم وجود، وفي حال لم تفلح التفاهمات مع الدولة السورية وجنحت إلى الابتزاز السياسي والاستفادة من التهديدات التركية على حساب دماء الشهداء؛ استوجب على مجلس سوريا الديمقراطية التلويح بأوراقه التي يمكنه أن تضغط بها على الدولة السورية للقيام بواجبها وهي كثيرة ومجدية والتي تتمثل اُولاها في إيقاف كل جوانب التعاملات الاقتصادية التي تحصل بين الشمال السوري وبين المركز بشكل قطعي ونهائي، وهناك الكثير من الخيارات الأخرى التي تأتي بمفاعيلها جراء استخدامها.
[1]