مابعد داعش
إبراهيم اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 4582
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
لاشك في أن ماقامت به أمريكا، على صعيد توجيه الضربات الجوية في إقليم كردستان،إلى متلازمة المركب الداعشي الأكثر خطورة في الألفية الثالثة، يمثل خطوة متقدمة، ولوجزئياً، بالنسبة إلى سلوكها، كدولة كبرى في العالم، تجد نفسها معنية بما يدورفي كل بلد، وكل مدينة، وفي كل غرفة نوم، إذا ما قارنا ذلك بصورة أمريكا التي انهارت إلى الحضيض في سوريا، بعيد إعلاناتها الرخيصة، بدءاً من فضيحة خطوط رئيسها الحمراء، ومروراً بإدعاءاته التحرك إثرمجازرالكيمياء في الغوطتين، والتعري أمام الملأ، ليكون موضع أهزوءة، من قبل المراقبين، ما جعل بعضهم يراهأسوأ رئيس دخل البيت الأبيض حتى الآن.
مؤكد، أن أمريكا، بإقرارها، بمبدأ تنفيذ الضربات الجوية، ضد داعش، بعيد المحطة السنجارية/الشنكالية، وإعلان أبي بكرالبغدادي، التبجحي، عندما وجه مرتزقته إلى عاصمة إقليم كردستان/هولير بأنه سيصلي خطبة جمعة الأسبوع المقبل في أحد جوامعها، حاولت أن تستعيد جزءاً من هيبتها المفقودة، بل سمعتها التي تمرغت في المستنقع، بعد أن مارست لعبةاستدامة الحرب في سوريا،ماجعل العالم كله يعرف، أن هناك دولاً كبرى عديدة، لها اليد الطولى في مايتم، ولعل أمريكا، على رأس هذه القائمة، كما روسيا، وإن تناقضتا في طريقة استخدامالفيتو في مايخص مصيرالنظام، فوق طاولة مجلس الأمن، حيث موقفها من جهة، وموقف روسيا والصين، هما في الأصل: وجهان لموقف واحد..،لأن النظام السوري الذي أرعبته الثورة منذ منتصف آذار2011، ماكان ليمارس مجزرته المفتوحة، على امتداد أكثرمن أربعين شهراً، لولا أنه منح الضوء الأخضر، الذي تم الاشتغال عليه، إقليمياً، ودولياً، مايجعل دولاً كثيرة، شريكة، في دماء السوريين، سواء أكانت وقفتها إلى جانب النظام، مباشرة، أم غيرمباشرة، بل سواء أعلنت شجبها للنظام، عبرطرح مهزلةالخطوط الحمراء، أووعيد توجيه الضربات لرأس النظام، عقب مجزرة كيماويالغوطتين.
ولاتتوقف مسؤولية أمريكا، عند هذا الحد، في غض النظر، أو التواطؤ، أوالصمت، تجاه مايجري في سوريا، وهو استهداف لمكانتها، كدولةعملاقة، بل تتعداها إلى تحملها مسؤولية ولادة حالة مسوخ التكفيريين، إماعبرارتباط حبل مشيمتهم بالرحم الأمريكي، أوعبرتوفيرأجواء انتعاشهم، في مستنقع الدماء، والدمار، وبعيداً عن منطق التكهن، فإن أمريكا-الآن-في موقع المرافعة عن ذاتها، لاسيما من خلال أمرين، هما: اعتبارها القوة العظمى المسؤولة عن الأسرة الدولية، وثانيهما:ثبوت الأدلة، في محكمة الواقع، عن تورطها، في استيلاد التكفيريين، جميعاً، بمن فيهم داعش، ضمن مشروعها، في مواجهة الإرهاب، دون أن يرمش لها جفن، وهي تغرق منصة الاختبارالسوري، بكل هذا الدم، وهويأتي تنفيذاً لإعلان افتراضي استباقي، من لدن النظام السوري، حول خطرالتكفيريين المحدق، عندما فعل ذلك-بثقة- باعتباره أحد مولدات هذا الإرهاب، حيث نحن-هنا- أمام ملف، من وقائع، ظهرت على نحوأوضح، منذ سقوط بغداد 2003، وتدريب قطعان الإرهابيين في عددمن المدن السورية، ضمن إطارحرب النظام الاستباقية، دفاعاً عن كرسيه، وحتى تفاصيل التعايش مع داعش، رقيَّاً، عبرالمساومة على كل شيء، من أجل نجاته، عبرسياسة خلط الأوراق التي لايزال يعول عليها.
لاحاجة، للتحدث عن السيرة الذاتية، لداعش، في مثل هذا المقام، وكيفية تناميه البنيوي، السرطاني، بحق، و لاعن شرايين تغذيته، ودواعي تأسيسه، ودعمه، من قبل جهات متعددة، متضادة، متلاغية، وإن كنا، في هذا الحال، أمام طفرة إرهابية، لها خصوصيتها، في مدى مقدرتها الكيميائية والفيزيائية، على الاستفادة من المتناقضات، جميعها، وهوماظهرمن خلال ارتباك النظام الإيراني، أمام محطات أدائه، في مابعد مجريات الموصل، حيث كانت أمريكا أول من استشعرت ذلك، عندما خرج عن بعض خططها، وتعهداتها، كما يظهر، وإن كنا نجد بعض الدول -كما تركيا- في موقع جد حرج، أمام إعلان مكافحته، دولياً، حيث يتم التعاطي، من قبل كل منها، على نحومختلف، مع إعلانالحرب على داعش ولعل تحفظ تركيا في المؤتمرالجِّدِّي في أيلول الجاري2014، يكشف النقاب عن أمور أخرى، خارج حتى الرؤية الأخوانية من التحالف الدولي ضدداعش، وهي تتحمل جزءاً مباشراً، من المسؤولية، على اعتبارأن الثلاثين ألف أجنبي داعشي، أويزيد، قد دخل أكثرهم إلى سوريا، عبرالحدود التركية، ولما يزل التدفق مستمراً، على قدم وساق صوب منصة الدم السوري، رغم أن ملف تغذيةالإرهابيين كما ملف دعمالنظام لابد من أن يفتحا، على نحوأشمل، وأدق، في أوانه، مادام أن كل مفرداتهما، مدون، وأن كل مدان، لابد أن تظهرأوراقه، على حقيقتها، مادام أن السوري، لاشيء يخفى عليه البتة، ويعرف، من صديقه، ومن عدوه، في مختبرتجاربه الجلية..!
ومادمنا، في إطارالحديث عن مولدات، ومرضعات، داعش، وحواضنه التي ظهرت، في مابعد، فإن معرفة بديهية أن الغرب-من خلال بعض أطرافه- ضالع في هذه الصناعة، الشوهاء، مصدرة الشرور، لايحتاج إلا إلى إدراك أن مجرد صمت كبريات هذا الدول، وغضها النظرعما دارفي سوريا، على امتداد اثنين وأربعين شهراً، بما يخالف تقاليد، وواجبات الأسرة الدولية، بل و القانون الدولي، يعني شراكته، في هذه الجريمة التي لن تغتفر، ولو عبرإقدامه على القضاء على داعش نفسه، ألف مرة، على التوالي.
وبعيداً عن التشكيك في طبيعة الضربات الجوية التي لايمكن الاستهانة بها، فهي عامل مهم، في الحسم، وهي المنجز العسكري اليتيم من صلب النظرية الأوبامية، في سياساته، التي بلغ الإرهاب فيها أوجه وإن كان يعتد بحدث يتيم هو عملية مقتل ابن لادن كأضحية انتخابية شخصية حيث باتالإرهاب يتحول من مشروعالعصابة إلى مشروعالدولة، و يخرج من المخابىء والكهوف إلىالثكنات والساحات المكشوفة، بل إن ماينسف مصداقية نواياه، في الحرب على داعش، هوالجدولة الزمنية، بمايضاعف عمرظهوره على المسرح السوري، حيث أن من شأن عامل الزمن أن يفقس بيوض وفيروسات وخلايا داعش، ويفاقمها،كي تكون جغرافيا المقبرة المختارة للإرهاب مفتوحة على الدم، والخراب، والتوتر، لاسيما أن صورة ماكان يجري في العراق، ماثلة، أمام الأعين.
وهنا، فإنه لابد من التوكيد، أن داعش رغم اعتباره، كما تمت الإشارة، أعلاه، محض فيروس وبائي إيبولي،عابر، وقتي، وليس عابراً للزمن، أو للجغرافيا، كمايتم تصويره، وكل تصاويره الاستباقية، أو المرافقة، من ضمن مشروع استيلاده، أصلاً، بيد أنه مولد فيروسات، في الوقت ذاته، مايجعل المكان السوري، مساحة ثأرات، متوالية، حتى بعد مرورالسنوات الثلاثة المزعومة لتقويضه شبه الكلي، ممكنة، التكثيف إلى ثلاثة أشهر، أوستة أشهر، على أبعد احتمال، حيث أنالإرهاب لامستقبل له، أينما كان، بيد أن الجدولة الأمريكية، أوالتحالفية، الدولية، بعد خطوات تهيئة مناخات ولادة الإرهاب، في هذه الجغرافيا، جاءت موازية لإغراق سوريا، في المزيد من بحارالدم، مايدل على أن القضاء على داعش، يقرن، بالإجهاز، على الاستقرار، في سوريا، خلافاً لكل التوقعات، بل أن هؤلاء الذين تحولوا إلى حواضن لداعش، وتنقلوا، من حالة إلى حالة، ناصرياً، وبعثياً، وعبرممرات متعددة، منها النصرة، وداعش، وهلمجرا، فإنهم، لوظهربديل عن داعش، بمسمى، واسم، آخرين، وبضروع مالية، أومعنوية، مدرارة، لكانوا معه، أيضاً، وهذه الزئبقية، الانقلابية، حتى على الذات، من نتاج تربية النظام الاستبدادي، على مدى عقود متواصلة.
ومن اللافت، أن بند قطع الدعم عن داعش، يحمل في عمقه معنى مناقضاً، وهوأن بعض الداعين إليه، يقرون-ضمنياً- بقيامهم، بهذه المهمة، لاعتبارات تتعلق بمصيرسوريا، ومحاولة التدخل في تشكيل تركيبة النظام المقبل، وخريطة البلاد والتدخل في كيفية علاقاتها المستقبلية، مع المحيطين العربي، والإقليمي، بل والدولي، بما في ذلك ملف: إسرائيل، وهومايجعل من سؤال دعم الإرهاب-عامة- وداعش-خاصة- مفتوحاً، بل يتطلب التركيزعليه، من قبل النخب، والمؤسسات المستقلة، لكشف أوراق هؤلاء جميعاً، لأن أية محاولة لترويج مقولة، أن داعش أصبح أغنى تنظيم إرهابي، نتيجة المردود النفطي، الذي ربطه بأسواق مفتوحة، عبرتركيا على نحوخاص، هي محاولة لتبرئة ذمم من دعموا داعش، من وراء الكواليس، على نحوسري، لأغراض، ودوافع خاصة، بكل طرف، ماجعل السؤال عن ضرورة معرفة داعمي هذا التنظيم، الأكثرأهمية، في إطارالحرب عليه، بل أن الأهم في الأمر، أن تدفق الأسلحة، والأموال، قبل وصول داعش، إلى وضع يده على منابع النفط، والإتجاربه، إقليمياً، ودولياً، هوالمطلوب معرفته..؟!
مابعد داعش:
لاشك، أن داعش، عبارة، عن مشروع قتل ودمارمؤقت، وأن الدراسات العميقة التي تناولته، منذ أن أصبح ضمن مساحة الرؤية، دون تلسكوبات، بعيد مرور أكثرمن عام، على الثورة السورية، قدم مفاتيح، ومقاربات مهمة، لفهم طبيعته، دون القفز من فوق حقيقة أولوية إمكان تنفيذه للمهمات الموكلة إليه،وسط توافرأدوات تشكله، البنيوي، كقوة، لافتة، ذات حضوردموي، تم الإعداد له، في مراكز ومؤسسات كبرى، عبرتدريب كوادره، والترويج لهم، واكتساب المتطوعين إلى صفوفه، وتوفيرالغطاء المالي واللوجستي له، إلى أن أصبح واقعاً، بل مافوق الواقع-وهوفي حدود افتراضيته..!- لاسيما أن مأجوريه باتوا يوجهون الأنظارإلى حالة تراجيدية دموية قصوى، بالتوازي مع المأساة السورية الكبرى التي يصنعها، النظام، وأدواته، ومحركوهم من ذوي الأصابع الإقليمية، والدولية.
ثمة مرحلة انتقالية، أشد خطورة، ستمربها سوريا، بعد هزيمة داعش العيانية، وسقوط مشروع الدولة الواقعية، منذ أن انتقل التصنيف السوري،من حالة، ثنائية، معارض، أو موال إلى حالة ثنائية:معتدل أم راديكالي؟، بل إلى حالة نائية داعشي أم أنتي داعشي؟، حيث تم تشويه بعض الأوساط الاجتماعية الريفية، البسيطة، داخل البلاد، لأن حضورهؤلاء خارج البلاد، وفي صفوف النازحين، والمهاجرين، يصل الصفر، رغم استخدام المال الهائل، لشراء الذمم، عبرمحاولة استغلال عنصرالحاجة لدى بعضهم، لاسيما إذا أقررنا بالواقع المزري لأوساط هائلة، من أهلنا السوريين، في ظل فهم شعارالجوع كافر والمخيم كافر، و الحاجة كافرةوإن كان إباء السوري واضحاً، رغم كل مايتعرض له، حيث أنه يموت ولايرضع من ثدي المذلة وقد انطلقت ثورته، من هذا الرفض القاطع لمصالحة الإذلال.
ومن بين مفردات المرحلة المقبلة: استمراربقايا فلول الإرهابيين، بمواصلة، ثأراتهمالتفجيرية، واستمرارالاغتيالات الفردية، والجماعية، ودخول عدد ممن تنكبوابأهليهم، هنا وهناك، على الخط، عبرالشروع بعمليات انتقام، من شأنها نسف استراتيجية إلى الاستقرار، إلى حين. إذسيجري كل ذلك، ضمن حالة فقدان الثقة، بمن تدعشوا، لاسيما من كانوا أدوات تنفيذ جرائمه، من الحاضنة الاجتماعية له، وذلك، في موازاة مما جرى-بشكل مماثل- في فضاء الثورة، بعد أن تمت عسكرتها التي طالما تم التحذيرمنها.
لقدأوصل النظام السوري البلاد، إلى قاع الهاوية، وهولما يزل في خدرأوهامه، باستمراريته، بل إن هذا النظام الذي طالما رفع شعار رفض التدخل الخارجي استعان بأشكال مباشرة، وغير مباشرة، من هذا التدخل، في إطار استدامة، عمرالحرب التي أشعلها، في سوريا، مادام أنه يكفل استدامة عمركرسيه، بل أن الكائنات الشريرة التي ارتبطت به، في المسرح العراقي، تحت تسميات متعددة، كانت أكثرمن خدمته، وإن كانت ستنقلب عليه، وهي تستبصرمشروعها الخاص، بعد سلسلة مشروعات أخرى، جرى لأصحابها، أنهم أيضاً، استشعروا بانقلاب الحالة الأشدخطورة من بينها-داعش- على مخططاتها، إلى درجة استهدافها، وهوما دعا إلى قرع جرس الإنذار-عالمياً-بعدأن تم استهداف عروشها، ما أعاد المنطقة-مرة أخرى- تحت قبضة التدخل الخارجي، المباشر، في صيغةالنظام العالمي الجديد، كحالة، محلوم بها، في المخيال السوري العام-في ظل مايجري- لتثبيت أواصرالاستقرار، رغم الأكلاف الباهظة لهذا التدخل.[1]