“سوريا بين مطرقة الجهادية وسندان اللامركزية: فرصة ضائعة أم أمل جديد؟”
أزاد خليل
الحوار المتمدن-العدد:
8232
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
بعد نصف قرن من الحكم الاستبدادي لنظام الأسد، شهدت سوريا تحولًا تاريخيًا مع سقوط النظام قبل أسابيع قليلة. هذا الحدث يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل البلاد، خاصة في ظل سيطرة تنظيمات مثل هيئة تحرير الشام (HTS) بقيادة أحمد حسين الشراء، المعروف باسم محمد الجولاني. في هذا المقال، سنناقش التحولات السياسية الحالية في سوريا، المخاطر التي يطرحها صعود الجهادية، وفرص تحقيق نظام لا مركزي يضمن التعددية والاستقرار.
من هو محمد الجولاني؟
محمد الجولاني، الذي يُعرف بدوره الجهادي البارز، قاتل مع تنظيم القاعدة في العراق بين عامي
2003 و2006. بعد خمس سنوات في السجن لدى القوات الأمريكية في العراق، عاد إلى سوريا عام
2011 ليؤسس جبهة النصرة، وهي فرع محلي لتنظيم القاعدة. في عام 2016، انفصل الجولاني عن القاعدة وأسّس هيئة تحرير الشام، محاولًا إعادة تقديم نفسه كقائد أكثر اعتدالًا.
رغم هذا التحول الظاهري، تُتهم هيئة تحرير الشام بفرض حكم استبدادي مترافق مع تطبيق متشدد للشريعة الإسلامية في المناطق التي تسيطر عليها شمال سوريا. وفي خطوة تعكس محاولة لتغيير الصورة الدولية، التقى الجولاني مؤخرًا دبلوماسيين أمريكيين، ما أدى إلى رفع المكافأة المالية التي وضعتها الولايات المتحدة على رأسه.
المخاطر المرتبطة بصعود هيئة تحرير الشام
على الرغم من محاولات هيئة تحرير الشام لتقديم نفسها ككيان سياسي أكثر اعتدالًا، فإن المخاطر المرتبطة بصعودها كبيرة. يكمن الخوف الأكبر في أن تصبح سوريا، تحت حكم الجولاني، دولة راديكالية إسلامية مشابهة للنماذج التي شهدناها في أفغانستان والسودان.
يشير المحللون إلى أن محاولات هيئة تحرير الشام لتقديم نفسها بشكل معتدل ليست سوى خطوة مؤقتة لكسب الوقت وتعزيز نفوذها. يرى كثيرون أن أي استقرار أولي سيُتبع بعودة الأجندة الجهادية المتشددة بمجرد أن يشعر النظام الجديد بالأمان.
فرص تحقيق اللامركزية في سوريا الجديدة
رغم هذه المخاطر، هناك فرصة كبيرة لإعادة بناء سوريا على أسس جديدة تقوم على اللامركزية وتقاسم السلطة. يُمكن أن يكون نظام اللامركزية أداة فعّالة للحد من تأثير أي تنظيم جهادي يحاول السيطرة على البلاد بأكملها.
إذا تم تبني نموذج لامركزي، يمكن للجهاديين حكم المناطق التي يسيطرون عليها مثل إدلب وأجزاء من حماة ودمشق، مع تقييد قدرتهم على فرض سياساتهم على باقي البلاد. من جهة أخرى، ستحظى المجتمعات الأخرى، مثل العلويين على الساحل والدروز في الجنوب والأكراد في الشمال الشرقي، بإدارة ذاتية تضمن أمنها وحقوقها.
تركيا وتحديات اللامركزية
يُعد التحدي الأكبر أمام تحقيق نظام لامركزي في سوريا هو موقف تركيا المعارض. تسعى أنقرة إلى تدمير نموذج الحكم الذاتي الكردي في شمال شرق سوريا وتعتبر اللامركزية تهديدًا لوحدة البلاد. صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مناسبات عدة بأن “الحفاظ على وحدة سوريا وبنيتها المركزية هو موقف تركيا الثابت”.
تدعم تركيا هيئة تحرير الشام بشكل مباشر وتستخدم الجيش الوطني السوري، وهو قوة وكيلة مكونة من جهاديين ومرتزقة، لمهاجمة مناطق الحكم الذاتي التي يقودها الأكراد. تجدر الإشارة إلى أن تركيا لعبت دورًا بارزًا في الماضي بتسهيل عبور المجندين والإمدادات لتنظيم الدولة الإسلامية إلى سوريا، ما يزيد المخاوف من دعمها المستمر للجماعات الجهادية.
الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا: نموذج ناجح
رغم كل التحديات، تقدم مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا نموذجًا واعدًا لإعادة بناء البلاد. هذه المناطق، التي تُدار بشكل مشترك بين الأكراد والعرب والمسيحيين والإيزيديين، توفر ملاذًا آمنًا لجميع الأقليات وتعزز قيم التعددية وحقوق المرأة.
منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، نجحت هذه المناطق في تحقيق استقرار نسبي رغم الحصار المفروض عليها من تركيا وبقية أجزاء سوريا. يعتمد نظام الحكم هناك على اللامركزية، مما يسمح لكل منطقة باتخاذ قراراتها المحلية وفقًا لظروفها. على سبيل المثال، في دير الزور والرقة، سمحت السلطات المحلية باستمرار تعدد الزوجات رغم الحملة التوعوية ضده، احترامًا للعادات المحلية.
دور الغرب في دعم مستقبل سوريا
تقع على عاتق الدول الغربية مسؤولية كبيرة في دعم نموذج اللامركزية في سوريا لمنع ظهور نظام جهادي مركزي في دمشق. تمتلك الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، فرصة فريدة لدعم الإدارات الذاتية في شمال شرق سوريا وحمايتها من التهديدات الخارجية.
يمكن لواشنطن أن تلعب دور الوسيط في عملية انتقال سياسي شاملة في سوريا تضمن حقوق جميع المكونات. كما يجب أن تعمل على إقناع تركيا بالتوقف عن معارضتها لللامركزية والاعتراف بحكم الإدارات الذاتية كجزء من الحل السياسي.
ختاماً
لا شك تقف سوريا اليوم عند مفترق طرق بين مخاطر استبداد جديد وفرصة لبناء نظام سياسي جديد قائم على اللامركزية والتعددية. يمثل نموذج الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا أملًا يمكن أن يُبنى عليه لضمان حقوق جميع المكونات وتحقيق الاستقرار.على المجتمع الدولي أن يدرك أن الدعم الفعّال لهذا النموذج ليس فقط في مصلحة السوريين، بل هو أيضًا جزء من استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة التطرف وضمان الاستقرار الإقليمي.
[1]