دعوة القائد عبد الله أوجلان التاريخيّة… ترحيب إقليمي ودولي واسع
محمد عيسى
في لحظةٍ فارقة من مسيرة النضال الكردي، وبينما تشهد المنطقة تصاعد الصراعات وتنامي النزعات القومية المتطرفة، جاءت رسالة القائد عبد الله أوجلان لِتُعيد رسم المشهد السياسي في تركيا والمنطقة بأسرها، فقد دعا إلى فتحِ صفحة جديدة قائمة على النضال السياسي السلمي، مشيرًا إلى أن الظروف التي أوجدت الحزب خلال الحرب الباردة، وظلّت تُغذّي إنكار الهوية الكردية، لم تعد كما كانت.
وفي إعلانٍ تاريخي يوم #27-02-2025# ، أطلق القائد عبد الله أوجلان مبادرة السلام، وذلك بدخول النضال مرحلة جديدة؛ هي مرحلة التغيير والتحول الديمقراطي.
وجاء الإعلان عبر وفد من نواب “حزب المساواة وديمقراطية الشعوب”، الذين قرأوا نص الرسالة عقب زيارتهم للقائد أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي، في خطوةٍ تعكس تحوّلًا جوهريًا في مسار القضية الكردية، فقد مهّدت هذه المبادرة الطريق أمام مقاربةٍ جديدة تتجاوز النضال المسلح، وتسعى إلى بناء علاقة متكافئة بين الكرد والأتراك، تقوم على الاعتراف المتبادل وضمان الحقوق الثقافية والسياسية ضمن نظامٍ ديمقراطي تعددي.
محاولة لم تكن الأولى لوقف القتال
لم تكن هذه المرة الأولى التي يوجه فيها القائد الكردي عبد الله أوجلان نداءً لإنهاء الحرب والبحث عن حلولٍ سياسية عادلة للقضية الكردية، بل سبقتها محاولاتٍ أخرى، كان أبرزها في عام 2013 عندما أصدر دعوةً تاريخية لوقف إطلاق النار، وحثّ مقاتلي حزب العمال الكردستاني على الانسحاب من الأراضي التركيّة، في خطوةٍ وُصفت آنذاك بأنها فرصة ذهبية لإنهاء الصراع الطويل بين الكرد والنظام التركي. كانت تلك المبادرة بمثابةِ اختبار حقيقي لمدى جدية أنقرة في البحث عن حلٍّ سياسي، إلا أن الرد التركي لم يتأخر في كشف حقيقة سياساته العدائية، حيث لم تمضِ سوى سنتين حتى أقدمت الدولة التركية في عام 2015 على شنِّ غارات جويّة مُكثفة ضد معسكرات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل بباشور كردستان، ضاربةً بعرض الحائط كل الجهود التي بُذلت من أجل السلام، ليُعلن بذلك نهاية وقف إطلاق النار واستئناف المواجهات المسلحة بوتيرةٍ أشدّ عنفًا من السابق.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تنسف فيها تركيا مبادرة سلام كردية، بل تأتي ضمن نهج ثابت مارسته أنقرة لعقود، يقوم على إفشال أي محاولة لوقف النزاع، والاستمرار في سياسات الحرب والقمع والإنكار بحق الكرد، فالمبادرة التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان عام 2013 كانت تعبيرًا واضحًا عن الإرادة الكردية الراسخة في البحث عن الحلول السلمية، لكن ما حصل بعد ذلك أثبت أن المشكلة لم تكن في الطرف الكردي، بل في العقلية التوسعية التي تحكم سياسات النظام التركي، والتي لا ترى في الكُرد سوى “تهديد أمني” يجب القضاء عليه بالقوة.
واليوم، وبعد مرور أكثر من عقدٍ على تلك المبادرة، تأتي الدعوة من جديد وأكثر شمولًا، لا تقتصر على وقفِ إطلاق النار فقط، بل تصل إلى مستوى حل الحزب نفسه، والدعوة إلى بناء نضال سياسي سلمي ضمن إطار ديمقراطي تعددي، وهو ما يجعل من هذه المبادرة حدثًا غير مسبوق في تاريخ الصراع الكردي – التركي. ومع ذلك، فإن المخاوف مشروعة من أن تواجه هذه الدعوة المصير ذاته الذي واجهته مبادرة 2013، حيث لا تزال تركيا محكومة بعقلية عسكرية ترى في القوة والحرب الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الكرد، بدلًا من الاعتراف بحقوقهم المشروعة.
إن مبادرة السلام عام 2013 وكذلك في 2025، وما سبقتها من مبادرات منذ عام 1993 تثبتان بما لا يدع مجالًا للشك أن الكرد كانوا ولا يزالون دُعاة سلام، وأنهم قدموا كل ما يمكن من أجل فتح أبواب الحل السياسي، لكن على الدوام كانت تركيا هي الطرف الذي يُجهض هذه الجهود ويدفع نحو الهجمات العسكرية. السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل سيتكرر السيناريو ذاته هذه المرة؟ أم أن تركيا ستدرك، ولو متأخرة، إن طريق الحرب لن يؤدي إلى أي نتيجة سوى المزيد من الخراب والانهيار؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن التاريخ يُثبت أن أنقرة لا تُجيد سوى خيار الحرب، حتى لو أُتيحت لها فرص السلام على طبقٍ من ذهب.
تفاعل دولي واسع
أحدثت دعوة القائد الكردي عبد الله أوجلان للسلام وذلك بإلقاء السلاح جانباً والاكتفاء بالجانب السياسي زلزالًا سياسيًا امتدت أصداؤه إلى مختلف العواصم الإقليمية والدولية، حيث تراوحت ردود الفعل بين الترحيب والحذر والتوجس من تداعيات هذه الخطوة غير المسبوقة.
في مقدمة المُرحبين، جاء موقف الاتحاد الأوروبي، الذي اعتبر المبادرة بمثابة فرصة نادرة لتحقيق السلام، وفي تصريح رسمي بتاريخ الجمعة 28 شباط المنصرم، قال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، أنور العوني، إن إطلاق عملية سلام ذات مصداقية تهدف إلى إيجاد حلٍّ سياسي شامل للقضية الكردية سيكون خطوة إيجابية ليس فقط لصالح تركيا، وإنما لاستقرار المنطقة بأكملها، وأضاف أن إيجاد حل عادل يحترم الحقوق الأساسية وسيادة القانون من شأنه إنهاء حالة الصراع المستمرة، ودفع عجلة الاستقرار نحو الأمام.
على المستوى الدولي، كان البيت الأبيض من أوائل العواصم الغربية التي أبدت ترحيبها بالمبادرة، حيث وصف المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، بريان هيوز، هذه الخطوة بأنها “تطور مهم على طريق السلام”، مُعربًا عن أمله في أن تساهم المبادرة في إحلال الاستقرار في المنطقة المضطربة.
من جانبها، وصفت وزارة الخارجية الألمانية دعوة القائد أوجلان ب”الفرصة التاريخية للسلام”، داعيةً النظام التركي إلى ضمان حقوق الكرد، ووقف سياسات الحرب والقمع، معتبرةً أن الوقت قد حان لانتهاج حل سياسي يعترف بوجود الكرد كشعب له حقوق مشروعة.
بدوره، وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، المبادرة بأنها “بصيص أمل لإحلال السلام الدائم في تركيا والمنطقة”، مؤكدًا أن أي تحرك نحو إنهاء الحرب سيخدم ليس فقط تركيا، بل الأمن الإقليمي والعالمي.
ردود فعل إقليمية مُرحِبة بالمبادرة
على الصعيد الإقليمي، رحبت وزارة الخارجية العراقية بهذه الخطوة، معتبرة إياها تطورًا إيجابيًا نحو تحقيق الاستقرار في المنطقة. كما شددت على أهمية الحلول السياسية والحوار كسبيلٍ أساسي لمعالجة الخلافات وإنهاء النزاعات، بما يعزز التعايش السلمي ويخدم مصلحة جميع الأطراف، ويأتي هذا الموقف العراقي في ظل استمرار الانتهاكات التركية للسيادة العراقية، حيث شنت أنقرة على مدى السنوات الماضية عشرات الغارات الجوية على مناطق جبال قنديل وشنكال، متذرعةً بوجودِ مقاتلين من حزب العمال الكردستاني.
إيران بدورها، وصفت المبادرة بأنها خطوة مهمة لتعزيز الأمن الإقليمي، مشيرةً إلى أن أي جهد يُبذل لإنهاء النزاعات المسلحة سيُسهِم في تقليل التوترات في المنطقة. بينما رحبت السعودية بالمبادرة، معربةً عن أملها في أن تتحول هذه الدعوة إلى خطواتٍ عملية ملموسة تقود نحو تحقيق الأمن والسلام والازدهار، مؤكدةً أن إنهاء النزاع طويل الأمد سيساعد في استقرار المنطقة برمتها.
في باشور كردستان، جاء الترحيب من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، الذي وصف دعوة القائد أوجلان بأنها خطوة مهمة تمهد لتحقيق السلام، مشددًا على أن المرحلة الحالية هي للنضال السلمي والمدني والديمقراطي، وأن هذا النهج سيحقق مكاسب أفضل للكرد بعيدًا عن العنف والسلاح.
أما بافل طالباني، رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، فقد أكد أن نداء القائد أوجلان يُمثِّل بداية لمرحلة مهمة في المنطقة، داعيًا جميع الأطراف إلى الالتزام بهذه الدعوة واتخاذ خطوات عملية تضمن الوصول إلى سلامٍ شامل.
في شمال وشرق سوريا، لم يغير إعلان القائد أوجلان شيئًا في موقف قوى الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، إلا أن قادة هذه القوى رأوا في المبادرة خطوة إيجابية، شريطة ألا تستغلها تركيا كغطاءٍ لمواصلة عملياتها العسكرية ضد مناطقهم.
القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، أكد في حديث لوكالة رويترز أن “هذه الدعوة تخص تركيا، ولا تمت بصلة إلى الوضع في سوريا”، موضحًا أن أي اتفاق سلام في تركيا يجب ألا يكون على حساب أمن واستقرار شمال وشرق سوريا.
وأشار عبدي إلى أن القائد أوجلان أرسل لنا بشأن إعلانه، وكان إيجابيًا ويؤكد أهمية السلام والأمن في المنطقة، وأضاف: “إذا تحقق السلام في تركيا، فهذا يعني أنه لا مبرر لمواصلة الهجمات علينا هنا في سوريا”، في إشارة إلى الهجمات المستمرة التي يشنها الاحتلال التركي على مناطق شمال وشرق سوريا، تحت ذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني.
استجابة سريعة من الحزب
لم يمضِ سوى يومين على نداء القائد أوجلان، حتى جاء الرد السريع من حزب العمال الكردستاني، الذي أعلن في الأول من آذار 2025 وقف إطلاق النار مع تركيا، مؤكداً التزامه بمضمون رسالة قائده، وقال الحزب في بيانٍ رسمي إن قواته لن تنفذ أي عمليات عسكرية، إلا في حال تعرضها لهجوم، مشددًا على أن قضايا مثل نزع السلاح لا يمكن تنفيذها دون قيادة عملية مباشرة من القائد أوجلان.
وأشار الحزب إلى استعداده لعقد مؤتمر عام لمناقشة الخطوات المستقبلية، لكنه ربط نجاحه بضمان الظروف السياسية الديمقراطية والإطار القانوني، ويعكس هذا الموقف حرص الحزب على التمسك بنداء قائده، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول مدى واقعية تنفيذ قرار نزع السلاح في ظل استمرار السياسات القمعية التركية تجاه الكرد.
فيما تتوالى ردود الفعل المُرحبة بنداء القائد أوجلان، يبقى الموقف التركي هو الأكثر غموضًا، فحتى اللحظة، لم يصدر أي تعليق رسمي من أنقرة حول هذه المبادرة، مما يطرح تساؤلات حول مدى استعداد النظام التركي لتغيير استراتيجيته تجاه القضية الكردية.
ولطالما تعاملت أنقرة مع القضية الكردية من منظور أمني بحت، متجاهلةً الحلول السياسية، ومستندة إلى سياسات القمع والإنكار. لكن الآن، ومع دعوة القائد أوجلان لنزع السلاح، تجد تركيا نفسها أمام اختبار حقيقي: إما أن تستغل هذه الفرصة للانتقال إلى حلّ سياسي، أو أن تواصل نهجها القمعي، ما قد يؤدي إلى عودة المواجهات بشكلٍ أعنف في المستقبل.
مع هذا التطور غير المسبوق، يبدو أن المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة، قد تحمل معها تغيرات جوهرية في موازين القوى، ليس فقط داخل تركيا، بل في عموم الشرق الأوسط، فالدعوة التي أطلقها القائد أوجلان لا تعني فقط إنهاء الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني وتركيا، بل تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل القضية الكردية ومسارها السياسي في المرحلة القادمة.
يبقى السؤال الأهم: هل ستنتهز أنقرة هذه الفرصة التاريخية، أم أنها ستتعامل معها بنفس الأسلوب الذي أدى إلى إفشال مبادرات السلام السابقة؟[1]