أفيندار مصطفى
في مشهد سياسي عربي متأزم، تتجلّى ملامح ازدواجية صارخة في المواقف العربية تجاه القضايا الإقليمية، لا سيما ما يتعلّق بالموقف من الاحتلال والعدوان الخارجي.
لعل أبرز مثال على الازدواجية في الخطاب القومي العربي يتمثل في رفض التطبيع مع إسرائيل وشيطنتها وهو موقف أخلاقي وسياسي مشروع مقابل التغاضي، وأحياناً التهليل، للتدخلات التركية وجرائمها، لا سيما بحق الشعب الكردي، يظهر هنا بوضوح كيف يُعاد تعريف العدو والصديق تبعاً لانتماءات أيديولوجية أو مصالح آنية، لا وفق مبدأ ثابت مناهض للظلم والاحتلال.
الاحتلال الشرعي في الخطاب القومي؟
من المفارقات المؤلمة أن تركيا، التي ما زالت تمارس سياسات استعمارية توسعية في سوريا والعراق، بما في ذلك احتلال أراضٍ مثل عفرين وسري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض)، وتشريد مئات الآلاف من السكان الكرد، تُعامَل في الكثير من الخطابات القومية العربية ك حليف أو نموذج إسلامي ناجح، في حين يُحرّم حتى التفكير بأي شكل من أشكال العلاقة مع إسرائيل.
هذه المفارقة لا تكشف فقط عن تحيزات أيديولوجية، بل تعرّي الأسس الهشة التي يستند إليها الخطاب القومي التقليدي، فمتى كانت العروبة تعني الدفاع عن المظلوم إذا كان الظالم مسلماً أو سنياً أو حليفاً سياسياً...؟ أليس الظلم واحد...؟ أم أن الدم الكردي لا يُحسب ضمن قائمة ضحايا القضايا العادلة...؟
ذاكرة انتقائية وخطاب مزدوج
إن هذه الازدواجية تعكس ذاكرة سياسية انتقائية، تغضّ النظر عن إرث الإمبراطورية العثمانية الذي مارس قمعاً ممنهجاً بحق الشعوب العربية والكردية والآشورية والأرمنية، بل وتسعى أحياناً إلى تجميل هذا الإرث عبر بوابة الخلافة الإسلامية أو النهضة التركية، متجاهلةً أن تركيا الحديثة ما زالت تحمل مشروعاً توسعياً بأدوات أكثر عنفاً وتكنولوجيا متقدمة.
الكرد: شعب خارج تعريفات القومية
في ظل هذا الخطاب، يتم تهميش الكرد لا كعدو، بل كلا شيء، يتم إقصاؤهم من كل سردية قومية، سواء عربية أو تركية أو فارسية، وكأنهم غير موجودين، أو لا يستحقون أن تُحتسب مظلوميتهم ضمن سجل القضايا الكبرى، هذه ليست صدفة، بل انعكاس مباشر لرؤية الدولة القومية التي لا ترى الآخر المختلف كندّ متساوٍ في الحقوق، بل كخطر ينبغي استيعابه أو إبادته أو تهميشه.
صمت الساحات... الكرد خارج وجدان الثورة
رغم أن الثورة السورية اندلعت بشعارات الحرية والكرامة، إلا أن حضور الكرد في وجدانها الجمعي ظل خافتاً إلى حدّ التلاشي، حتى في أكثر اللحظات فظاعة من الاحتلال التركي للمناطق الكردية، لم نشهد خروجاً جماعياً من ساحات التظاهر في الداخل السوري أو حتى في الشتات، يرفع صوته بوضوح ضد الاحتلال التركي لعفرين، أو سري كانيه، أو كري سبي، رغم التوثيق الكثيف لجرائم التغيير الديموغرافي والتهجير القسري.
ورغم أن الكثير من السوريين – عرباً وغيرهم – يعتبرون أن الكرد شركاء الوطن والمظلومية، فإن هذا الاعتراف ظل حبيس الجمل المنمّقة في الكتابات والمواقف الدبلوماسية، ولم يترجم إلى دفاع حقيقي أو تضامن شعبي يُذكر، لم تُرفع رايات عفرين في ساحات إدلب، ولا صُرخت أسماء شهداء قسد الذين قاتلوا داعش دفاعاً عن كل السوريين في مظاهرات درعا، ولم نسمع كثيراً من شعارات الحرية للكرد في اعتصامات المغتربين السوريين في أوروبا، إلا من فئات محدودة تُعدّ على الأصابع.
ويكفي أن نستذكر الهجوم التركي على عفرين في مطلع 2018، حين تم تهجير أكثر من 300 ألف مدني، وتوثيق مئات الانتهاكات من نهب وسرقة واعتقال وتعذيب على أيدي فصائل مدعومة من أنقرة، دون أن تخرج مظاهرة واحدة في معظم المدن السورية المحرّرة تندد بهذا الغزو، وكأن عفرين ليست جزءاً من الجغرافيا السورية، أو كأن الكرد ليسوا من هذا الشعب الذي يهتف للحرية.
الاعتراف بالمظلومية الكردية... ورفض أدواتها التحررية
من أبرز تجليات هذا التناقض أيضاً ما يمكن تسميته بالاعتراف المشروط بالمظلومية الكردية، إذ نجد من يقرّ بأن الكرد تعرّضوا للاضطهاد القومي والتهميش التاريخي، لكنه في الوقت ذاته يرفض بشدّة الاعتراف بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) كممثل شرعي أو كقوة دفاعية نشأت من صلب هذا الاضطهاد.
يُقال: نحن لا نعادي الكرد، بل نحترم معاناتهم، ثم يُردف القول بلكننا نرفض قسد لأنها انفصالية، عميلة، أو تابعة لأجندات خارجية، هكذا يُفصَل بين الشعب الكردي ونتاجه السياسي والتنظيمي، وكأنما يُطلب من الكرد أن يبقوا مظلومين صامتين، لا يملكون الحق في تأسيس مؤسساتهم أو الدفاع عن أنفسهم.
إن رفض قسد، في كثير من الأحيان، لا يستند إلى تحليل موضوعي أو نقد بنّاء، بل يأتي من رفض أعمق لفكرة أن للكرد الحق في بناء نموذجهم الخاص في الإدارة والحرية، ويتم تجاهل حقيقة أن قسد نشأت كقوة دفاعية من رحم المجتمعات المحلية، متعددة القوميات والطوائف، كردية وعربية وسريانية وآشورية، ضمن مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، الذي كان – وما زال – الرد الواقعي والعملي على غياب الدولة، وغياب العدالة.
القائد عبد الله أوجلان: أخوّة الشعوب بنقد للمنطق القومي
في خضم هذه الفوضى الأخلاقية والسياسية، يقدّم القائد عبد الله أوجلان طرحاً مغايراً وجذرياً في أن مشروع أخوّة الشعوب، وهو ليس شعاراً عاطفياً، بل تصور بنيوي لحل جذور الصراعات في الشرق الأوسط، يقوم على تجاوز الدولة القومية كنموذج تنظيمي، والانتقال نحو نظام كونفدرالي ديمقراطي يضمن لكل مكون – عرقياً كان أو دينياً أو ثقافياً – حق التنظيم والإدارة الذاتية ضمن إطار تعاوني.
مشروع القائد عبد الله أوجلان لا يُقصي العرب، بل يدعوهم، كما يدعو الكرد والسريان والأرمن والتركمان، إلى شراكة متساوية تقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق والهوية والكرامة، إنه مشروع يتجاوز منطق العدو والصديق بحسب الهوية، ويضع معياراً واحداً: من يمارس الظلم هو العدو، ومن يُقاوم لأجل الحرية والعدالة هو الحليف.
نحو خطاب تحرري شامل
إذا أرادت العروبة أن تستعيد معناها كحركة تحرر لا كغطاء سياسي أو ديني، فعليها أن تواجه ازدواجيتها بجرأة، وأن تتبنى خطاباً جديداً منفتحاً، يعترف بمظلومية كل الشعوب، لا بحسب الانتماء، بل بحسب الحق، وهذا لن يتحقق إلا عبر تجاوز القومية الضيقة، والسير في درب أخوّة الشعوب كما طرحه القائد عبد الله أوجلان، دربٌ لا يحتمل النفاق، بل يتطلب شجاعة في قول الحقيقة: الحرية لا تتجزأ، والمظلومية لا تُقاس بالهوية.[1]