تركيا تفقد موقعها الجيوستراتيجي يوماً بعد يوم
متى برزت خلافات أردوغان مع أمريكا والقوى الغربية؟
إذا تتبّعنا مسار علاقات الدولة التركية مع الدول الغربية وأمريكا منذ 2000-2002م، وحتى الأزمة السوريّة 2011 سوف نجد أنّها علاقة قوية ونشطة، وكل شيء يمضي حسب ما تمّ التخطيط له مع تركيا، بتعبيرٍ آخر، فقد تمّ فتح الطريق وتسهيله أمام الإسلام السياسي (المعتدل) في تركيا، بقيادة أردوغان، وعلى المستوى الإقليمي في إطار الشرق الأوسط الكبير (الجديد)، وكانت تركيا تستمدّ دعمها وقوّتها من قوى الهيمنة العالمية وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، وكان أردوغان يتحرّك وفق ما خُطّط له.
لقد حصل الغزو أو التدخّل التركي الحقيقي (مقصدنا غزو العقول) للدول العربية ثقافياً، بعد عام 2000 من خلال المسلسلات التركية التي تمّت ترجمتها من اللغة التركية إلى اللغة العربية، من قِبل شركات الدبلجة الإماراتية والسورية وغيرها، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على شكل من أشكال الغزو الثقافي، من خلال هذه المسلسلات كان يتم تمجيد التركياتية والعثمانين، وتمزيق وتفتيت الأخلاق المجتمعية، وفرض ثقافة الإسلام المعتدل على المنطقة شيئاً فشيئاً، بحيث تجعل (أي المسلسلات) من تركيا دولة قوية في أعين الناس البسطاء، وباشور كردستان أيضاً (إقليم كردستان) قد نال حصّته من هذا الغزو الثقافي عن طريق الإعلام وقنوات التلفزيون.
وليس من الخطأ تسمية ذلك بالخطوة الأولى للاحتلال والغزو، أي التدخّل التركي في شؤون دول المنطقة، أردوغان وبعدما شكّل أرضية خصبة لمشروعه بين المجتمع العربي، زار سوريا عام 2009 والتقى مع بشار الأسد، حيث عُقِد اتفاق تعاون استراتيجي بين البلدين، ولكن تغير الوضع فجأةً وبعد مرور عدةّ سنوات وجدنا الغزو والاحتلال بشكله العسكري في سوريا والعراق، كما رأينا تدخّلاتها في ليبيا وقرباخ وإفريقيا وغيرها الكثير من المناطق الأخرى، لذا بإمكاننا القول أنّ تركيا قد لعبت الدور السلبي والمزعزع والمحرّض في المنطقة، من خلال استخدام طائراتها وبيع المسيّرات خلال السنوات العشرة الماضية، في سبيل تحقيق طموحاتها في “الميثاق الملّي” وإحياء العثمانية الجديدة.
لقد كان الانتشار الواسع والطاغي لثقافة الإسلام السياسي بقيادة أردوغان، في المنطقة يتم بموافقة كل من بريطانيا وأمريكا، إذاً متى برزت الخلافات بين تركيا وأمريكا والغرب؟ لقد برزت تلك الخلافات عندما بدأ أردوغان يتحرّك وفق مصالحه وأجنداته الخاصة، وبغاية التوسّع في إحياء العثمانية الجديدة والقضاء على أي تطلّعات للشعب الكردي، لنيل حقوقه في سوريا، وليس حسب الخطط المرسوم لها من قِبل أسياده، كذلك شراء تركيا منظومة (اس 400) من روسيا، والعلاقات الحميمية معها أغضبت أمريكا والناتو والدول الغربية بشكلٍ عام.
وقد صرّح الرئيس الأمريكي (جو بايدن) أثناء حملته الانتخابية (2021) في هذا السياق: “إذا ما فزتُ في الانتخابات فسوف أزيحه عن السلطة، إنّه دكتاتور”، ويقصد هنا أردوغان، الحقيقة لقد بدأت العلاقات التركية الأمريكية تسوء بعد أعوام 2014- 2016 خاصةً مع الانقلاب الذي حصل في تركيا، حيث اتُّهمت أمريكا في أن تكون هي الضالعة في ذلك الانقلاب، في الجانب الآخر يتزامن ذلك التاريخ مع إيقاف عملية السلام والمفاوضات التي كانت جارية مع القائد عبدالله أوجلان في إمرالي، وفي الوقت نفسه يتلاقى ذلك التاريخ مع تشكيل تحالف الدولي لمحاربة داعش في سوريا والعراق، تركيا كانت توّاقة للانضمام إلى الحرب ضد داعش أثناء تحرير الموصل، والرقة.
والحقيقة أنّ تركيا لم تكن تريد الانضمام إلى الحملة في الموصل والرقة لأنّها فعلا لم تكن تريد محاربة داعش، بل لأنّها كانت تريد وبذريعة داعش أن تصل إلى تلك المناطق، فهي تحسب تلك الأراضي مُلكًا لها بحسب الميثاق الملّي، وكانت أمريكا على دراية بالمآرب التركية، لذلك فقد حالت دون مشاركتها، لأنّ أمريكا كانت على يقين بأنّ الدولة التركية لن تحارب داعش إذا ما دخلت منطقة ما فلن تخرج منها بسهولة.
لا تسمح أمريكا ولا القوى الغربية، في تشكيل دولة إسلامية ذات أفكار متطرّفة ومتشدّدة سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي، وترى أنّها تُشكّل خطرًا عليها، فحركة الإخوان المسلمين التي هي بالأساس مشروع بريطاني، وتدّعي أنّها حركة معتدلة، لكن عندما سنحت الفرصة لها تبيّنت على حقيقتها بأنّها لا تختلف بشيء عن الحركات المتشدّدة الأخرى من ناحية العنف وخطاب الكراهية والتحريض.
وخلال فترة الحرب في سوريا، بدا بشكلٍ واضح أنّ حركة الإخوان المسلمين وضعت نفسها في خدمة أجندات الدولة التركية، وأظهرت عِداءها للكرد بشكلٍ علني من خلال منابرها الإعلامية، وفي مقدّمتها قناة الجزيرة التي قامت بنشر برنامجَين، وهما ( المسافة صفر- والكرد يبنون دولة في شمال وشرق سوريا)، ومن خلال هذين البرنامجين كانت الجزيرة تحرّض تركيا وتدفعها لمهاجمة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وكذلك قناة أورينت، لسان حال الإخوان المسلمين، أرادت خلال أحداث ديرالزور أن تفتعل فتنة بين الكرد والعرب، حيث بدأت بحملة إعلامية تضليلية شرسة ضدّ الكرد، كما أنّ علماء الدين والملالي، من خلال الجوامع وعبر قنوات التلفزيون وفي شوارع عفرين كانوا يفتون بقتل الكرد.[1]