ما سر صمود وتحدي إقليم شمال وشرق سوريا أمام آلة القتل التركية؟
أحمد سمير_
بينما كان صوت هدير الطائرات يُسمع وهي تقصف هنا وهناك، ظهرت مشاهد عنوانها البطولة والتحدي والصمود، ومشاهد أخرى توحي بمدى روح التعاون والتعاضد بين سكان المكان لتعطي أمثلة ونماذج حيّة عن البقاء ومقاومة المحن.
رغم امتلاك دولة الاحتلال التركي وسائل تقنية حديثة وترسانة حربية ضخمة تلقي من فوهاتها حمم قذائفها وصواريخها الممزوجة بالدم، على المراكز المدنية والتجمعات السكنية في إقليم شمال وشرق سوريا، لدفع سكانها إلى اليأس ومغادرتها، وسلخهم عن مقاومتهم، لكن ليس كما يتأمل الاحتلال ذلك، فالمشهد والصورة أبلغ من الحديث عن الأمثلة التي يحتذي بها هذا الشعب الصامد المتمسك بأرضه.
حطم هذا الشعب الأبي جدار الخوف، وتلاشى ذاك الإرباك في نفوسهم، فهم اعتادوا على مشاهد الدمار التي تخلّفها آلة قتل الحياة في هذه المنطقة الصغيرة بجغرافيتها، والكبيرة بمقاومتها، ليضحوا مثالاً على الصمود والتحدي في وجه المحرقة التركية.
بدا جلياً وواضحاً تأقلم الشعب مع الحروب التركية التي تسعى لإحياء طموحات قديمة على هذه البقعة الجغرافية، فتضج الطرقات بالحياة، وتصخب الأسواق بحركة المارة وضجيج الباعة، غير آبهين بحركة الطائرات المُسيّرة وما تحمله من أطنان المتفجرات التي تُحلق فوق رؤوسهم ولا تخلوا الأيام من أصوات أزيزها في الأفق.
بينما كان صوت هدير الطائرات يُسمع وهي تقصف هنا وهناك، وثّق شاب بكاميرته إجرام الطائرات التركية بقصفها للمنشآت الخدمية، وعلّق عليها بالقول: “ليس بالطائرات فقط، لو قصفتمونا بالدبابات والمدافع لن نترك أرضنا ونرحل من هنا، اذهبوا وقاتلوا في زاب”، في مشهد عنوانه التحدي والصمود.
ودمرت طائرات جيش الاحتلال التركي منزلاً في قرية كربطلي عائد للمواطن خالد حسو، حيث أُصيب فيه زوجته وطفلاه الاثنين جان وروجان بجروح بليغة، وهرع أهالي القرية لإنقاذهما من تحت ركام المنزل، بينما تساعد آخرون على إطفاء النيران المشتعلة، وانشغل آخرون في انتشال ما دمرته الطائرات، فيما بدى آخرون يهمون في بناء ما تم تدميره، في مشهد آخر يوحي بمدى روح التآلف والتعاون والتعاضد بين سكان المنطقة.
في سيرتها عن الصمود، لم تتباهى أي أمة بشهدائها كما حدث في إقليم شمال وشرق سوريا، في مراسم وداع أبطالها، حيث تسود حالة من الفخر والاعتزاز وتقف والدة الشهيد/ الشهيدة، ثابتة وصامدة متحدية تتمتم بنبس شفتيها بعبارات الرضى والفخر والشهادة، بينما تلك الأسرة التي فقدت سقف منزلها ومعاشها، وكابدت جل عمرها وتعبها لبنائه، ترتب ما تم تدميره لتعطي نموذجاً ومثالاً حياً في البقاء ومقاومة المحن.
هذه الصور وغيرها غيّرت من روعة المشهد، فالشعب في شمال وشرق سوريا لن يرضى أن يحكم الموت عليه، يريد صنع حياة جديرة لائقة به. صمود وتحدي شعوب شمال وشرق سوريا، يُذكرنا بالملحمة الأسطورية التي جرت في مدينة كوباني وغيرت الموازين والمواقف الدولية لصالحها، وتوجت بعد 112 يوماً من المقاومة بإعلان النصر الأول على مرتزقة داعش، تعلمنا من مقاومتها معنى التشبث بالأرض، وتذكرنا بصمود وبسالة ومقاومة حي الشيخ مقصود التي دائماً تذكرنا وتعلمنا بأن لا إرادة تعلى على إرادة الشعوب.
تشبث شعوب شمال وشرق سوريا بأرضهم رسالة لكل الأطراف التي تحاول النيل من مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية وزعزعة استقرارها، وفي مقدمتهم دولة الاحتلال التركي، التي أصبحت غير قادرة على تقديم نمط وصورة ولو بسيطة عن نصر ما ولو مزعوماً، فتنتقم لهزائمها عبر استهداف المنشآت الخدمية وتحاربهم في لقمة عيشهم لتجويعهم.
اثنا عشرة سنة ويحاولون قتل الحياة في هذه الجغرافية “المغضوب عليها” من كل حدبٍ وصوب، يحاصرونها يقصفونها يدمرونها، ثم يحظرون ويمنعون دخول أي نوع من المساعدات إليها، دمروا مراكزها الصحية ومحطاتها النفطية، يخنقونها يحسرون مياهها، يجوعونها، يجعلونها تعيش في ظلام دامس، يحاربونها بشتى الوسائل، يريدون إقامة قيامة ساعة هذه المنطقة في رسالة مفادها بأن المنطقة لن تكون صالحة للحياة.
هذه المحاولات تُجابه بتحدي وصمود أسطوري ليس مبالغ فيه إن تحدثنا عنه، لشعب يعشق الحياة ويفضّل الصعوبات على مغادرة أراضيه، فهذا الظلام سينير طريقهم غداً في حياة مشرقة حرة.
الحديث عن الصمود لا ينهي المعاناة والمأساة الإنسانية التي تواجه شعوب شمال وشرق سوريا، لعدو وحشي لا يعرف القوانين الدولية ويرتكب جرائم حرب ضارباً كل القوانين الدولية عرض الحائط، ويرقى أن تكون جريمة وإبادة جماعية.
يخوض الاحتلال التركي حرب استنزاف ومعركة خاسرة لا جدوى منها في جبال كردستان الحصينة على أعدائها، حيث كبده مقاتلو حركة حرية كردستان خسائر فادحة، إذ كشف المركز الإعلامي لقوات الدفاع الشعبي (HPG) في 14 كانون الثاني، مقتل 61 محتلاً تركياً.
تتوالى الأخبار السارة من جبال كردستان، فبينما يتكبد الاحتلال التركي خسائر في الأرواح والعتاد، يخفي ذلك في وسائل إعلامه، إذ يفوق العدد ما يكشف عن قتلاه، في إحراج إعلامي واضح، بسبب توثيق مقاتلي حركة حرية كردستان عملياته الثورية بالفيديو.
لذلك أمام دولة الاحتلال التركي أمرين، أما إن تصفر مشاكلها مع الشعب الكردي وتتجه نحو التهدئة والوفاق واختيار طريق السلام وحل القضية الكردية المتفاقمة منذ أكثر من مئة عام، أو إن السلاح سيكون له كلمته، وفي حال اختيارها النار، فإن من يلعب بالنار ستحرقه في نهاية المطاف. فالكرة في الملعب التركي الذي بات على دراية كاملة “إن قتل الكرد لا يقتل قضيتهم”، كما قالها رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» غسان شربل.
فالشعب الكردي ومعهم الشعوب العربية والسريانية والأرمنية قد استفادوا من دروس وتجارب الماضي، متمسكون بأرضهم وواثقون بمقاومتهم ونصرهم، فالتاريخ يثبت إن النصر حليف الشعوب.[1]