الهوية الكردية: جدلية اللغة والانتماء
تُعدّ اللغة أحد أهم أعمدة الهوية القومية، فهي ليست فقط وسيلة للتواصل، بل حاملٌ للذاكرة الجمعية، والتقاليد، والعواطف، والتاريخ. بالنسبة للكرد، تمثل اللغة الكردية عنصرًا محوريًا في تشكيل الهوية الكردية، ورمزًا للوجود الثقافي والسياسي في مواجهة محاولات الطمس والإنكار التي تعرض لها الشعب الكردي عبر التاريخ. لكن في الوقت ذاته، تعيش هذه اللغة في وضع معقد، بسبب تعدد لهجاتها والانقسامات السياسية التي عانى منها الكرد.
تنقسم اللغة الكردية إلى عدة لهجات رئيسية، أبرزها الكورمانجية، السورانية، الزازاكية، والهورامية. كل لهجة مرتبطة بمنطقة جغرافية معينة، وتُستخدم في سياقات مختلفة داخل المجتمع الكردي. فالكورمانجية تُستخدم على نطاق واسع في روجافا وباكور، بينما تهيمن السورانية في باشور، وتُستخدم الزازاكية والهَورامية في مناطق أكثر تحديدًا. هذا التنوع اللغوي يثري الهوية الثقافية الكردية، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات أمام التوحيد اللغوي والتعليمي.
في كثير من المراحل، حُوربت اللغة الكردية من قبل أنظمة الدول التي يتوزع فيها الكرد: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. فحُظر التعليم بها، ومُنع استخدامها في المؤسسات العامة، بل وفي بعض الحالات، حتى في البيوت. هذا القمع اللغوي لم يكن مجرد تهميش ثقافي، بل هجوم مباشر على الهوية الكردية. ومع ذلك، قاوم الكرد هذا القمع بطرق مختلفة، من التعليم السري إلى طباعة الكتب والجرائد في المنافي، ومن الغناء الشعبي إلى تطوير مناهج تعليمية بديلة في مناطق الحكم الذاتي.
إن الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها ليس مسألة ثقافية فحسب، بل مشروع سياسي واجتماعي. ففي روجافا، مثلًا، يُدرَّس الأطفال بلغتهم الأم، وتُبث البرامج التلفزيونية والإذاعية بالكردية، كما تُنشر الكتب والمجلات باللهجة الكورمانجية. أما في باشور، فهناك مؤسسات أكاديمية تدرّس بالكردية وتُجري بحوثًا لتطويرها وتوحيدها. هذه الجهود تعزز من مكانة اللغة وتدعم بناء هوية كردية قوية، رغم الاختلافات الداخلية.
في الختام، تبقى اللغة الكردية قلب الهوية الكردية. وبين تحديات الانقسام واللهجات المتعددة، والصراع مع سياسات الإنكار، يثبت الكرد مرة بعد أخرى أنهم شعب يربط اللغة بالكرامة، والانتماء بالوعي، والمقاومة بالكلمة. والهوية الكردية، في جوهرها، هي مشروع نهوض جماعي قائم على اللغة كحامل للروح والذاكرة والمستقبل.
[1]