الهوية الكردية في المنفى: بين الشتات والحفاظ على الذات
منذ بدايات القرن العشرين، عاش الشعب الكردي سلسلة من المآسي التي دفعته إلى النزوح والشتات. حروب، مجازر، سياسات تعريب وتتريك وتفريس، وتدمير ممنهج للقرى والمجتمعات الكردية، كلها عوامل أدّت إلى تفكك الجغرافيا الكردية، ونزوح أعداد كبيرة من الكرد إلى دول الجوار أو إلى المنافي البعيدة في أوروبا وأمريكا. في ظل هذا الشتات، بات الحفاظ على الهوية الكردية تحديًا وجوديًا، يواجهه الكرد بأشكال متعددة، تتراوح بين النضال الثقافي، والتربية المنزلية، والأنشطة السياسية.
المنفى ليس فقط غيابًا جغرافيًا، بل أيضًا صراعٌ داخلي مع خطر الذوبان في ثقافات مهيمنة، خاصة عندما تكون اللغة الأم محاصرة، والرموز الثقافية معرضة للنسيان. في ظل هذا الواقع، لعبت العائلة الكردية دورًا أساسيًا في نقل اللغة والتقاليد والوعي القومي من جيل إلى آخر. كثير من الأطفال الكرد الذين وُلدوا في أوروبا أو أمريكا، تعلموا لغتهم الأم في البيت، على يد أمٍّ لم تتعلمها في المدارس، بل حفظتها من أمّها وجدّتها.
لكنّ المنفى لم يكن فقط مساحة للمعاناة، بل أيضًا فضاءً جديدًا لإعادة تشكيل الهوية. فقد تأسست في الشتات مؤسسات ثقافية كردية، ومدارس لتعليم اللغة، ووسائل إعلام، ومراكز اجتماعية، ساهمت في خلق حاضنة تُعيد إنتاج الثقافة الكردية في سياق جديد. كما لعب الفن دورًا مهمًا، حيث استخدم العديد من الفنانين والموسيقيين الكرد المهجر كمنصة للتعبير عن المظلومية الكردية، والحنين إلى الوطن، والتمسك بالجذور.
الهوية الكردية في المنفى تأخذ أبعادًا متعددة: فهي قومية مرتبطة بالوطن الأم، لكنها أيضًا عابرة للحدود، منفتحة على تجارب الآخرين، وقادرة على التفاعل مع المجتمعات المضيفة دون أن تفقد خصوصيتها. وهذا ما يُلاحظ في الجيل الثاني والثالث من الكرد في الشتات، حيث يربط بعضهم بين الدفاع عن القضية الكردية والنضال من أجل حقوق الإنسان، والمساواة، والعدالة الاجتماعية.
في الوقت ذاته، لا تخلو هذه الهوية من التحديات. فهناك خوف دائم من فقدان اللغة، والانقطاع عن الثقافة، والتماهي مع الآخر إلى درجة الذوبان. لذلك، يُعدّ تعليم اللغة الكردية وتوثيق التراث الثقافي من أهم أولويات المجتمعات الكردية في المنفى، إلى جانب خلق مساحات حوار بين الأجيال للحفاظ على الانتماء الحي.
في النهاية، يثبت الكرد في المنفى أنهم ليسوا ضحايا للمكان، بل فاعلين في إعادة تشكيل هويتهم. فهم يحملون كردستان في الذاكرة، ويعيدون بناءها في الحكاية، وفي الأغنية، وفي كل محاولة للحفاظ على اللغة. وهكذا تصبح الهوية الكردية في الشتات مقاومة ناعمة، لا تُرفع بالسلاح، بل بالكلمة، والذاكرة، والانتماء.[1]