الأخلاق في فكر القائد عبد الله أوجلان نحو مجتمع حر ومسؤول
روشين إبراهيم
تُعد الأخلاق في فكر القائد عبد الله أوجلان من الركائز الجوهرية لبناء المجتمع الحر والعادل، فهي ليست مجرد سلوك فردي أو قواعد معزولة، بل تشكّل جزءاً لا يتجزأ من منظومته الفكرية التي تسعى إلى تحرير الإنسان من الهيمنة وتمكين المجتمعات من تنظيم ذاتها بناءً على قيمها الأصلية.
فالأخلاق عند القائد أوجلان تمثل الضمير الجماعي للمجتمع، وهي التي تحدد طبيعة العلاقات بين أفراده، وتوجه خياراتهم الاجتماعية والسياسية.
يرى القائد عبد الله أوجلان أن الأخلاق هي عقل وروح المجتمع، تنشأ وتتطور من خلال التجربة الجماعية، وليست مجرد تعليمات تُفرض من الخارج، فكل مجتمع يطوّر منظومته الأخلاقية الخاصة به بحسب ظروفه الثقافية والتاريخية.
هذه القيم الأخلاقية لا تُفرض من قِبل الدولة أو السلطة، بل تنبع من احتياجات الناس الفعلية، وتعبّر عن رغبتهم في التعايش والتعاون ولهذا فإن أي محاولة لفرض أخلاق سلطوية تُعد تشويهاً لمعنى الأخلاق الحقيقي.
ينتقد القائد أوجلان بحدّة الأنظمة السلطوية التي تستخدم القوانين كأداة لتجريد المجتمعات من قدرتها الأخلاقية على التنظيم الذاتي، فالدولة القومية في نظره تسعى إلى خلق مجتمع خاضع فاقد للقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ إلا من خلال ما تقرره السلطة. هذا الانفصال بين الأخلاق والسلطة هو ما يراه أوجلان من أكبر أزمات المجتمعات الحديثة، حيث يتم فصل السياسة عن القيم وتُستخدم القوانين كوسيلة للهيمنة لا لتحقيق العدالة.
تأتي الديمقراطية الكونفدرالية التي اقترحها القائد أوجلان كنموذج بديل للدولة القومية، لتعيد الاعتبار للأخلاق كأداة لتنظيم المجتمع، في هذا النموذج لا تُدار المجتمعات من مركز سلطوي واحد بل تُبنى على مبدأ الإدارة الذاتية، حيث تشارك كل مكونات المجتمع في اتخاذ القرارات استناداً إلى القيم الأخلاقية التي تتوافق عليها الجماعة، السياسة، بهذا المعنى تتحول من سلطة مفروضة إلى ممارسة أخلاقية جماعية تُعبّر عن الإرادة الحرة للمجتمع.
من القضايا المحورية في فكر القائد عبد الله أوجلان أيضاً، العلاقة بين المرأة والأخلاق. فهو يرى أن النظام الأبوي التاريخي لم يؤدّ فقط إلى اضطهاد النساء، بل ساهم كذلك في تدمير البنية الأخلاقية للمجتمع. المرأة، في تصور أوجلان، ليست فقط نصف المجتمع، بل مصدر أساسي للقيم الأخلاقية، مثل الرحمة والتضامن والارتباط بالحياة. لذلك فإن تحرر المرأة ومشاركتها الفاعلة في كل مناحي الحياة شرط أساسي لإحياء الأخلاق الجماعية وبناء مجتمع متوازن.
كما لا يغفل القائد أوجلان عن العلاقة الوثيقة بين الأخلاق والنظام الاقتصادي فالرأسمالية كما يراها ليست مجرد نظام مالي بل منظومة ثقافية تُعزز الفردانية والجشع وتُضعف الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.
الأخلاق في الاقتصاد تعني الانتقال من منطق الربح إلى منطق الحاجة، ومن الاستغلال إلى التشارك، الاقتصاد الأخلاقي بحسب أوجلان يقوم على الإنتاج المجتمعي والتوزيع العادل ويهدف إلى تلبية حاجات الناس الفعلية لا تعظيم أرباح القلة.
بهذا الطرح الشامل، يضع القائد عبد الله أوجلان الأخلاق في قلب مشروعه التحرري ويعيد تعريفها كممارسة اجتماعية وسياسية مرتبطة بالحرية والعدالة، فالأخلاق ليست تجريداً فلسفياً ولا امتثالاً لسلطة خارجية، بل هي نسيج حيّ يربط الأفراد بعضهم ببعض، ويُمكّن المجتمعات من بناء ذاتها بحرية ومسؤولية.
في ظل الأزمات التي يعيشها العالم المعاصر تمثل هذه الرؤية دعوة عميقة لإعادة التفكير في أساسات المجتمع والسياسة عبر بوابة الأخلاق.
[1]