كوردستان المزوري
في آب 2014، لم تسقط شنكال بيد تنظيم إرهابي فحسب، بل سقطت معها كل الشعارات الأممية عن حقوق الإنسان. هناك، كُتبت واحدة من أبشع صفحات العصر، حين أصبحت نساء طائفة مسالمة، هنّ بنات الشمس، سبايا في أسواق الظلام، بينما اكتفت القوى الكبرى بالتنديد والقلق.
قبل أيام، أعلنت إحدى الجهات عن إنقاذ ناجية إيزدية جديدة من قبضة المهربين في الأراضي السورية، وسارعت بعض وسائل الإعلام لتضخيم الحدث وكأنه إنجاز نادر، لكن من يعرف حقيقة هذا الملف، يدرك أن ما حصل لا يُقارن بحجم الجهود الصامتة والمستمرة التي يقودها رئيس اقليم كوردستان #نيجيرفان بارزاني# منذ سنوات، والتي أدت إلى تحرير أكثر من 3.590 ضحية من ضمن 6417 شخصاً من النساء والأطفال والرجال ممن وقعوا أسرى لدى تنظيم داعش الإرهابي، ومنذ اجتياح شنكال لم يكن أمام الضمير الحي وقت للانتظار.
تحرك رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني فوراً، دون حاجة لتوصيات دولية أو قرارات حكومية، وأمر بفتح مكتب إنقاذ المختطفين الإيزديين وبتشكيل فرق خاصة لتعقب المخطوفين والمخطوفات، سواء داخل العراق أو خارجه.
عمليات التحرير كانت معقّدة، جرت في الموصل، الرقة، دير الزور، ريف حلب، تركيا، مصر، واستمرت أحياناً لأشهر من المتابعة والمراقبة والتفاوض. لكنها نجحت، لأن القيادة كانت تضع الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار.
(3590) إنساناً أُعيدوا من قبضة الظلام
تمويل خاص، متابعة مباشرة من رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، وتنسيق أمني وعشائري واستخباراتي واسع النطاق. كل ذلك لم يُستخدم للدعاية السياسية، بل لخدمة قضية إنسانية تجاهلها العالم، وغابت عنها بغداد غياباً مخجلاً.
بغداد أقرّت قانون الناجيات ثم تجاهلته
في عام 2021، أقرّ مجلس النواب العراقي ما عُرف بقانون الناجيات الإيزديات، وهو قانون شكلي يضم فقرات جيدة على الورق:
-دعم نفسي
-تعويض مالي
-سكن وخدمات
-منح دراسية
-فرص عمل
لكن حتى اليوم، لا شيء من ذلك تحقق. لم تُفعّل الفقرات، لم تُصرف المخصصات، لم تُنشأ المؤسسات، ولم تُحترم الوعود. والأسوأ من ذلك، أن الحكومة العراقية لا تزال ترفض الاعتراف بأن ما جرى للإيزديين هو إبادة جماعية، رغم أن الأمم المتحدة ومحاكم دولية أكدت ذلك منذ سنوات.
نيجيرفان بارزاني، الذي لم يخذل بنات شنكال ولم يحرر الناجيات فقط، بل تبنّى قضيتهن، افتتح مراكز دعم نفسي واجتماعي، وتابع إعادة دمج الناجيات في المجتمع، ورفع صوت المأساة في كل محفل دولي، مطالباً العالم بالاعتراف، والمحاسبة، والعدالة.
في قضية النساء الإيزديات، لا تُقاس المواقف بالتصريحات، ولا تُوزَّع البطولات على من التحقوا متأخرين بالمشهد الإعلامي. المعيار الحقيقي هو: من وقف مع الضحية يوم كانت وحدها؟ من تحرك حين كان الثمن دماً وتهديداً ومخاطر؟ ومن بقي صامتاً، ينتظر الضوء الأخضر من الخارج، أو الموافقات الورقية من الداخل.
نيجيرفان بارزاني لم ينتظر أحداً، بل تصدّى شخصياً لأعقد ملف إنساني شهدته كوردستان في العصر الحديث. قاد جهود التحرير بنفسه، خصّص ميزانيات رغم شح الموارد، وتابع أدق تفاصيل العمليات، في وقت كانت فيه بغداد تبحث عن صيغة قانون تحفظ ماء الوجه، دون أن تُحرّك ساكناً تجاه آلاف النساء والأطفال الذين مزقتهم الحروب، وفجّرت حياتهم المذابح.
وبينما رفضت الحكومة العراقية حتى الآن الاعتراف القانوني بالإبادة، كان نيجيرفان بارزاني يُخاطب العالم بلغة لا تحتاج إلى ديبلوماسية: السكوت عن هذه الجريمة هو شراكة فيها، وكل من لا ينصف الضحية، يقف ضمنياً في صفّ الجلاد.
لقد أصبحت قضية الإيزديين امتحاناً أخلاقياً لدولة تدّعي حماية مواطنيها. والنتيجة واضحة: من رسب في أبسط مسؤولياته، ومن اجتاز المحنة بشرف ومسؤولية وقيادة.
ولأن الحقيقة لا تُدفن، ولأن دموع الأمهات لا تكذب، سيكتب التاريخ أن هناك من حرّر، وبنى، وداوى الجراح، وهناك من جلس في مقاعد المتفرجين، يُصفّق متأخراً لإنقاذ فردي، بعد أن فاته شرف إنقاذ آلاف.
وفي النهاية، ليس المهم من تصدّر العناوين ليوم أو يومين أو أيام، بل من سطّر اسمه في قلوب الناجيات وأمهاتهن وتاريخ كوردستان، فهو لم ينجُ بشرف الموقف فقط، بل صنع منه أساساً لكرامة شعب وذاكرة لا تُنسى.
في سجل الأفعال لا الأقوال، يُكتب التاريخ:
-من حرر آلاف الضحايا بجرأة وهدوء؟
-من حمل همّ الضحايا، لا صورهم؟
-من اكتفى بالقانون، ولم يُنفّذ منه حرفاً؟
-ومن لم يجرؤ حتى اليوم على الاعتراف بجينوسايد شعب بأكمله؟ الجواب واضح لكل من يملك قلباً، رئيس اقليم كوردستان لم يطلب الشكر، لكنه كتبه بدموع الناجيات، لا بالحبر الحكومي.[1]