الوطن كهوية في شعر #جكرخوين#
يحتلّ مفهوم الوطن موقعًا مركزيًا في التجربة الشعرية لجكرخوين، الشاعر الكردي الذي جسّد من خلال قصيدته هموم الإنسان الكردي ومعاناته، وعبّر عن وعي قومي عميق يتجاوز الحدود الجغرافية إلى حدود الوجدان والذاكرة. في قصائده، لا يظهر الوطن بوصفه مكانًا جغرافيًا فحسب، بل يتحول إلى هوية وجودية تجمع بين الانتماء، اللغة، والثقافة، مما يجعل شعره تجسيدًا عميقًا لروح الأمة الكردية.
منذ بداياته الشعرية، سعى جكرخوين إلى بناء علاقة عضوية بين الإنسان والأرض. فهو يرى أن فقدان الوطن يعني فقدان الذات، وأن استعادته لا تكون إلا عبر وعي الإنسان الكردي بهويته. يقول في إحدى قصائده:
وطني، إن غاب عن عيوني،
يبقى في قلبي، في لساني، في حلمي.
هذا التماهي بين الوطن والذات يجعل من الهوية القومية عند جكرخوين فعل مقاومة ضد محاولات الطمس والإنكار التي تعرّض لها الكرد تاريخيًا. فالوطن عنده ليس مجرد أرض محتلة، بل كيان رمزيّ يختزل التاريخ واللغة والعادات. وهكذا تصبح القصيدة الكردية وسيلة للحفاظ على الهوية، ولإعادة صياغة صورة الوطن المهدد بالضياع.
إن لغة جكرخوين المشبعة بالرموز القومية والموروث الشعبي تُظهر كيف يتحول الشعر إلى أداة توثيق للذاكرة الجماعية. فهو لا يتحدث عن وطن مجرد، بل عن كردستان بكل ما تمثله من قيم روحية وثقافية. وفي ذلك، يقارب الشاعر بين الحنين والهوية، لأن كليهما يشكّلان أساس الانتماء. فكل قصيدة تُعدّ استعادة رمزية للوطن المفقود، ومحاولة لخلقه من جديد عبر الكلمة.
تُبرز تجربة جكرخوين أن الهوية لا تُبنى فقط بالحدود السياسية، بل بالذاكرة واللغة والمشاعر الجمعية. فالشاعر هنا هو ضمير الأمة الذي يوقظ في شعبه الشعور بالانتماء ويحثه على التمسك بوجوده. وتبدو هذه الرؤية واضحة في قوله:
كردي أنا، والهواء كردي،
والأرض تنبض بلغتي.
إذن، يُمكن القول إن جكرخوين قد جعل من الوطن هوية شعرية تتجاوز المكان إلى المعنى. فالوطن ليس فقط جغرافيا يُسكنها الكرد، بل هو كيان يسكن فيهم، يتجلى في لغتهم وأغانيهم وأحلامهم، مما جعل شعره أحد أهم ركائز الوعي الوطني الكردي في القرن العشرين.
المراجع:
1. عبد الرحمن، نجم الدين. الشعر الكردي الحديث: تطوره وخصائصه الفنية. بيروت: دار الزمان، 2014.
2. عمر، دلشاد. جكرخوين وصوت الهوية الكردية في الشعر الحديث. مجلة الثقافة الكردية، العدد 22، 2019. [1]