الهوية الكردية بين الذاكرة والحداثة: صراع البقاء والتجدد
المقدّمة
تُعَدّ مسألة الهوية من أكثر القضايا تعقيداً في المجتمعات متعددة الأعراق والثقافات، ولدى الأكراد، الذين ينتشرون في أربعة دول رئيسية (تركيا، إيران، العراق، وسوريا)، تطلّب الأمر مواجهة مزدوجة: من جهة ضرورة الحفاظ على الذاكرة الجماعية، ومن جهة ثانية ضرورة مواكبة التحولات العالمية والمعرفية التي تفرضها الحداثة. المجتمعات الكردية، بفعل تجزّؤ أرضها وتشظيها السياسي والثقافي، عاشت دوماً بين «البقاء» أي صون الهوية، و«التجدد» أي التفاعل مع الحداثة واشتراطاتها. في هذا الإطار، يُطرح السؤال: كيف يمكن للهوية الكردية أن تصون جذورها التاريخية واللغوية والثقافية وفي الوقت نفسه تتجاوز المهددات التقليدية لتصبح فاعلة في فضاء الحداثة؟
العرض
أ. مكوّنات الهوية الكردية والذاكرة المشتركة
تُركز الأدبيات على أنّ الهوية القومية الكردية تستند إلى عدد من المكوّنات: اللغة، الثقافة، الإقليم، الرموز، والذاكرة الجماعية. مثلاً، يرى الباحث جعفر شيخ الإسلامي أن الهوية الكردية تُعرف بالثقافة واللغة والإقليم والرموز والذاكرة والتجارب والطموحات السياسية المشتركة. ومن هنا ينشأ رابط وثيق بين مكوّن الذاكرة وجذور الهوية: فالتاريخ المشترك، القصص الشعبية، الأساطير، الملاحم، والممارسات الثقافية تُشكّل أرضية للانتماء الكردي. كذلك، فإن التجزؤ الجغرافي – عبر الحدود – وعدم وجود دولة كردية مستقلة لوقت طويل أديا إلى أنّ هذه الهوية تجد نفسها في طوفان من «امتحانات البقاء» إذ يجب أن تصمد في مواجهة محاولات القمع أو التجميع القسري.
ب. الحداثة والتحديات المعاصرة
الحداثة، بمعانيها المتعددة (تحول اقتصادي، تغيّر اجتماعي، تداخل ثقافات، وسائط إعلام حديثة…), طرحت أمام الأكراد نموذجاً جديداً من التحديات: كيف تحافظ الثقافة الكردية على خصوصيتها في فضاء متداول فيه المفهوم الغربي للحداثة؟ فمثلاً، مقال بعنوان «الثقافة كمقاومة… غوص في التجربة الكردية» يرى أن «البديل الكردي متمثّل في أحد الوجوه؛ المقاومة بالذاكرة… بدأ الدينجبي والتقاليد الشفوية يلعبان دوراً أساسياً في الفضاء الكردي العام». وهذا يشير إلى أن مفاهيم الحداثة تجبر الهوية الكردية على إعادة إنتاج نفسها: ليس فقط في «ما هي» بل في «كيف تُعرض وتُمارَس».
هذا الأمر يقود إلى ضغط مزدوج: أولاً اضطرار إلى التكيف مع مطلب التنمية والتحديث في المجتمعات الكردية – سواء في إقليم كردستان العراق أو في أجزاء من تركيا وسوريا – وثانياً ضرورة مواجهة فقدان الذاكرة التلقائي أو الذوبان الثقافي بفعل العولمة والهيمنة الثقافية. مدينة أربيل مثال حي على هذا التوازن: فهي «ذاكرة كردستان بين الحداثة والعراقة» كما ورد في تقرير منشور.
ج. صراع البقاء والتجدد: جدلية دائمة
إن عبارة «صراع البقاء والتجدد» تلخّص الجدلية التي تعيشها الهوية الكردية حالياً. البقاء هنا يعني الحفاظ على اللغة الكردية، الرموز، القصص الشعبية، التراث، وكذلك إدراك الانتماء الجماعي رغم التقسيم السياسي. أما التجدد فهو التواصل مع الحداثة: التعليم، التكنولوجيا، الاقتصاد، الثقافة المعاصرة، والانفتاح على العالم. لكن هذا التجدد لا ينبغي أن يتمّ على حساب البقاء، خلافاً فإنه يؤدي إلى ما يُسمّى «تذويب الهوية» أو فقدان الذات.
ومن جهة أخرى، فإن البقاء دون تجدد قد يتحول إلى تجمّد وثقافة تقف في مكانها، مما قد يؤدي إلى عزلة ثقافية واقتصادية. لذلك، تبقى مهمة الهوية الكردية: أن تكون «جسرية» بين الماضي والمستقبل تستمدّ من الذاكرة قوتها، ومن الحداثة فرصتها. هذا يتطلّب سياسات داعمة داخل المجتمعات الكردية: تعليم بلغتهم، إعلامهم، فضاءات ثقافية حرة، وتمكين اقتصادي واجتماعي. إضافة لذلك، فإن الحركات السياسية والمدنية الكردية تدرك اليوم أن الهوية ليست مجرد تحفّل بالماضي بل مشروع حيّ يتفاعل مع الحاضر ويخطط للمستقبل.
الخاتمة
في الختام، يمكن القول إن الهوية الكردية في ظلّ الانقسامات السياسية والجغرافية، والضغوط الثقافية والاجتماعية، تواجه تحدياً مزدوجاً: أن تكون فاعلة في فضاء الحداثة وأن لا تفقد صلتها بجذورها التاريخية والذاكرة الجماعية. هذا التوازن بين البقاء والتجدد ليس بسيطاً، بل هو دينامية مستمرة تتطلّب عزيمة ووعيًا جماعيًا وفرديًا. ولعلّ التحدي الأهم هو أن تجعل الهوية الكردية نفسها خياراً حراً للانتماء وليس نتيجةً لظروف القمع أو الإقصاء. بمعنى أنّ الهوية ليست عبئاً يُحمّل، بل مشروعاً يُختار ويُصان ويُجدد.
المصادر
1. شيخ الإسلامي، جعفر. «حول الهوية الكردية: رؤية اجتماعيّة – سياسيّة وتاريخيّة». مدارات كرد #08-05-2017#
2. «الثقافة كمقاومة.. غوص في التجربة الكردية». موقع أتونر ا#08-10-2024# [1]