الأسلوب التحريري في مجلة هاوار وتطور الخطاب الثقافي الكردي
تمتاز مجلة هاوار بأسلوبٍ تحريري متفرّد جعلها واحدة من أهم المنابر الثقافية في تاريخ الأدب الكردي الحديث. فمنذ عددها الأول، سعت المجلة إلى بناء رؤية واضحة تقوم على لغة أدبية رصينة، وخطاب ثقافي متوازن، ورسائل تربوية موجّهة إلى جميع فئات المجتمع. ولم يكن أسلوب التحرير فيها مجرد تنسيق نصوص للنشر، بل كان مشروعًا فكريًا متكاملاً ساهم في تشكيل خطاب ثقافي جديد يتناسب مع احتياجات المرحلة.
كان الأمير جلادت بدرخان يدير المجلة على أساس “تحرير واعٍ” يهدف إلى خلق لغة واضحة، مفهومة، وقابلة للتدريس. ولذلك، اعتمدت المجلة على لغة وسطية تجمع بين البساطة والرصانة، بحيث يستطيع القارئ المتعلم حديثًا فهمها، وفي الوقت نفسه لا يشعر المثقف بأن النصوص سطحية. هذا الأسلوب خلق لغة تحريرية معيارية أصبحت لاحقًا نموذجًا للكتابة الكردية الحديثة.
ركّزت المجلة على الوضوح، فكانت تبتعد عن التزويق اللغوي المبالغ فيه وتلتزم بالدقة في استعمال المفردات. وقد تجلّى ذلك بشكلٍ خاص في المقالات التعليمية المتعلقة بقواعد اللغة الكردية ومناهج التدريس. كان جلادت بدرخان يرى أن اللغة وسيلة للتواصل وليست مساحة للاستعراض، لذلك فضّل جملًا قصيرة، وفقرات مرتّبة، وأفكارًا مترابطة. هذه المبادئ التحريرية ساعدت على ترسيخ نظام لغوي جديد مبني على البساطة والفاعلية.
من ناحية أخرى، لم يكن الأسلوب التحريري محايدًا، بل حمل مشروعًا ثقافيًا واضحًا. فقد عملت المجلة على نشر قيم الأصالة والانفتاح، والاهتمام بالتراث، وتشجيع القرّاء على القراءة والتعلم، والدعوة إلى التحديث. كان الخطاب الثقافي في هاوار يوازن بين التعريف بالموروث وبين فتح الباب أمام التفكير العلمي الحديث. هذا المزيج خلق أسلوبًا جديدًا في الكتابة الكردية، يجمع بين جذور الهوية ومتطلبات العصر.
وتتميّز المجلة أيضًا بكونها منبراً متعدد الأصناف الأدبية. فقد احتوت على:
مقالات لغوية وتعليمية
نصوص شعرية
دراسات في الفولكلور
نصوص مترجمة
مقالات نقدية
كتابات اجتماعية وتربوية
وقد سمح هذا التنوع لأسلوب التحرير بأن يكون مرنًا، متكيّفًا مع طبيعة كل مادة. فعلى سبيل المثال، كانت المقالات التعليمية مُتقنة في منهجيتها، بينما جاءت القصائد محمّلة بلغة شاعرية رقيقة ولكن بوضوح أسلوبي يمنع الغموض. هذا التنوّع ساهم في تطوير الحسّ القرائي لدى الجمهور الكردي.
كما اهتمت المجلة بالترجمة بوصفها وسيلة لتوسيع المعرفة. فكانت تنشر نصوصًا مترجمة عن الأدب العالمي، ثم تعلّق عليها من خلال مقالات نقدية قصيرة. واعتمدت المجلة في الترجمة على أسلوب يحافظ على روح النص الأصلي مع تبسيط المفاهيم للقارئ الكردي. هذه العملية سمحت بنقل أفكار جديدة، مما أسهم في تحديث الخطاب الثقافي داخل المجتمع.
وفي جانب آخر، حافظت هاوار على خطابٍ عقلاني معتدل. فقد تجنبت الخطابات العاطفية الحادّة أو الشعاراتية، واعتمدت خطابًا يقوم على الحجة والمنطق. كما ركّزت على التربية الأخلاقية والاجتماعية، واعتبرت أن بناء المجتمع يبدأ بتعديل السلوك الإنساني وتعزيز قيم العمل والاحترام والتعاون. ولهذا نجد العديد من المقالات التي تسعى لإصلاح المجتمع عبر التوعية الهادئة لا الصدام.
ولعلّ أحد أهم إنجازات الأسلوب التحريري في هاوار هو مساهمته في تقعيد الكتابة بالحرف اللاتيني الكردي. فقد كانت المقالات مكتوبة بحرفٍ جديد تمامًا، وهذا شكّل تحديًا كبيرًا للقراء. ومع ذلك، استطاعت المجلة، بفضل أسلوبها الواضح، أن تُسهّل عملية القراءة وتُرسي عادة الكتابة بالحرف اللاتيني، الذي أصبح فيما بعد معيارًا أساسياً في الكثير من المناطق.
ختامًا، يمكن القول إن الأسلوب التحريري لمجلة هاوار لم يكن مجرد طريقة كتابة، بل أصبح خطابًا ثقافيًا كاملاً أسهم في تطور الأدب والوعي الكردي. فقد عمل على تبسيط اللغة، وتوحيد الأسلوب، وتطوير التعليم، ونشر قيم التحديث، وتوسيع أفق الثقافة الكردية. ولذلك يمكن اعتبار هاوار مختبرًا حيًا لولادة الأسلوب الكردي الحديث في الكتابة والفكر.
---
المراجع (عربيًا):
1. محمد، دلدار. الصحافة الكردية وأثرها في النهضة الثقافية. دار السويد، السليمانية، 2016.
2. الأحمد، عبد الرزاق. الأسلوبية في الأدب الكردي الحديث. جامعة دهوك، 2020. [1]