=KTML_Bold=#مام جلال# … رجلٌ صنع للكرد صوتًا وللعراق توازنًا سيرة سياسية في قلب العواصف الشرق أوسطية=KTML_End=
لورنس الشعير
في شرقٍ مبلّل بالصراعات، حيث الخرائط تُرسم بالدم، والأحلام تُؤجَّل خلف جدران السياسة، يبرز اسم جلال طالباني بوصفه أحد أهم البنّائين في تاريخ العراق الحديث. رجلٌ حمل ذاكرة الجبال إلى قصور الحكم، وجعل من حضور الكرد في بغداد حقيقة لا يمكن القفز عنها. زعيمٌ لم يكتفِ بأن يطالب بحق شعبه، بل عمل على أن يكون جزءًا من مستقبل وطن كامل.
حين نتحدث عن طالباني، فنحن لا نتحدث عن رئيسٍ سابق فقط، بل عن تجربة سياسية فريدة تلامس أطراف الشرق الأوسط كلّها. تجربة تكثّف معنى التوازن الحكيم في زمن تتناطح فيه المصالح كوحوشٍ جائعة.
=KTML_Bold=من كوي سنجق إلى بغداد… طفولة تُنبت ثورة=KTML_End=
وُلد جلال طالباني عام 1933 في كوي سنجق، حيث الأرض تدرّ الحكايات قبل القمح. نشأ بين قومٍ يعرفون إن الدفاع عن الهوية ليس خيارًا بل قدر. درس القانون في بغداد، وهناك عرف أن الكلمة يمكن أن تكون رصاصة أكثر دقة.
في الجامعة، انخرط طالباني في الحراك الطلابي الكردي، جاعلًا من حلم المساواة مشروعًا سياسيًا يتجاوز حدود العرق إلى معنى الإنسانية.
الانتماء الأول… ثم الانعطافة
انضم شابًا إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مصطفى بارزاني. لكن؛ الاختلاف في الرؤية حول مستقبل النضال قاده لاحقًا نحو طريقٍ جديد. طالباني كان يرى أن الكرد بحاجةٍ إلى سياسة جديدة، لا فقط إلى ثورة تقاتل. كان يؤمن بالتحالفات مع القوى الديمقراطية العراقية، وبناء أفق مدني أكثر شمولًا. الخلافات لم تكن هروبًا، بل كانت تحوّلًا.
الاتحاد الوطني… حين يصبح الحلم حزبًا
عام 1975، حين أخفقت الثورة الكردية إثر اتفاق الجزائر، رفض طالباني منطق النهاية. أسّس مع رفاقه الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) في دمشق، حاملًا مشروعًا تحديثيًا للكرد: “حضور فكري وثقافي، ديمقراطية داخلية، خطاب اجتماعي تقدمي” كان الحزب إعلانًا بأن الكرد ليسوا هامشًا، بل فاعلًا سياسيًا معاصرًا.
في الجبال… السياسة حين ترتدي بزّة القتال
سنوات طويلة من حرب العصابات ضد نظام البعث جعلت من طالباني مقاتلًا مفاوضًا. يقاتل حين يجب أن يُقاتل، ويفاوض حين يكون السلام أكثر بطولة. الجبال منحته الصلابة، والمعارك منحته الواقعية.
قاد عمليات عسكرية في مناطق السليمانية وكرميان، وبنى شبكة علاقات خارجية لدعم صمود الحركة الكردية، مدركًا أن السياسة في الشرق الأوسط تُكتب بلغات كثيرة.
الجرح الكُردي الداخلي
لم تكن طريقه مفروشة بالأمجاد فقط. الصراع بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني في التسعينيات كان أكثر فصول النضال مرارة. ومع مرور الزمن، أدرك طالباني أن الدم الكردي أغلى من الخلافات، فدفع بقوة نحو المصالحة التي أثمرت في اتفاق واشنطن 1998. اعترف بالأخطاء، وهذه شجاعة لا تقلُّ عن شجاعة القتال.
2003: قصر الحكم يفتح أبوابه للكُرد
بعد سقوط نظام صدام حسين، تغيّر شكل العراق وتفتّحت نافذة سياسية غير مسبوقة. وبفضل علاقاته الواسعة وقدرته على تهدئة الخصوم، اُختير طالباني عام 2005 ليُصبح: أول رئيس كردي في تاريخ العراق، وهو منصبٌ يرمز إلى رحيل زمن التهميش، وولادة حضور كردي فاعل في بغداد. لعب طالباني دور مهندس التوازن الوطني بين العرب والكرد، الشيعة والسنة، الداخل والخارج.
كان يقول: “الدولة ليست سلاحًا، الدولة عقد إنساني”. الدبلوماسي المبتسم… وصديق المتخاصمين في عالمٍ تُدار اجتماعاته بوجوه متجهّمة، كانت ابتسامة طالباني رسالة سياسية: إن الحوار لا يقلُّ أهمية عن القتال، ولهذا صادق المتناقضين: إيران وواشنطن، أنقرة ودمشق، الليبراليين والإسلاميين، وكان الجميع يجد فيه نافذةً تُطل على السلام.
الإنسان الذي لم يغادره الإنسان
قربه من الناس لم يكن أداءً سياسيًا. كان يجلس مع البسطاء بلا حواجز، يشارك في الأفراح، ويمازح حتى خصومه. السياسة بالنسبة له ليست خشونةً دائمة، بل حياة تُعاش.
=KTML_Bold=المرض… حين تسكت الخطابات ويبقى الإرث=KTML_End=
عام 2012 أُصيب بجلطة دماغية أبعدته عن المشهد، وفي #03-10-2017# رحل جسده… وبقي تأثيره. بقيت فكرة أن الكرد شركاء لا متسولين للحقوق. بقيت الفيدرالية صمّام أمان. بقي التوازن عنوانًا ضروريًا لاستمرار الدولة العراقية.
=KTML_Bold=الطالباني: لماذا بقي حاضرًا؟=KTML_End=
لأن في سيرته خليطًا نادرًا: واقعية لا تكسر الحلم، حلم لا يعادي الواقع، قوة تقود نحو السلام، قومية منفتحة على الآخر، دبلوماسية تحمل روح النكتة، كان يعرف أن الهويات لا تتصارع فقط… بل يمكنها أيضًا أن تتلاقى.
=KTML_Bold=النقد واجب… والدروس أهم=KTML_End=
لم يكن سياسيًا كاملًا. لم ينجح دائمًا في ضبط الفساد أو إدارة حزبه بإحكام. كانت الحرب الكردية الكردية صفحة سوداء في كتاب ناصع. لكن؛ قيمة الزعيم تُقاس بما يتركه خلفه من مشروع مستمر، لا بعثرة اللحظات وحدها.
ختاماً
سيرة جلال طالباني حكاية رجلٍ صار جسرًا، جلال طالباني لم يكن صوتًا يصرخ في صحراء، كان جسرًا يربط بغداد بظلال جبال كردستان. قائدًا جمع بين الضحكة والموقف، بين الشِّعر والمفاوضات، بين يد تمسك البندقية ويدٍ ممدودة للسلام.
رحل مام جلال، لكن حضوره ما زال يُشعل الجبال ويذكّر العراق أن العدل ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للبقاء.
وبين سطور سيرته الطويلة، يتعلّم الشرق الأوسط درسًا بسيطًا:
يمكن للسياسة أن تكون إنسانية، إذا حملها إنسان… يشبه جلال طالباني. [1]