=KTML_Bold=في أهمية ديمقراطية التفاوض ومأزق غيابها=KTML_End=
فراس يونس (سياسي وكاتب)
“ياروحي لا تبحثي عن المستحيل بل استنفذي حدود الممكن” – طاغور-
عبر قاعدة الاعتراف بالآخر يكون الحوار الإيجابي غالباً مدخلاً لمعرفته، وحقيقة وتوجهاته ومرامي وعيه ورؤيته للعالم والتأثير فيه.
عندما نشير للحوار الإيجابي للتفريق عن مواقف الصمت أو الازدراء والتجاهل أو التشهير، باعتبارها مظاهر حوار سالب، حوار يوسع الصدوع، ويقلص احتمالات التفاهم وهو غالباً ما يلجأ اليه الأقوياء في علاقتهم مع من هم أضعف منهم واعتبارهم أصفاراً لا وزن لهم ولا شأن.
وعندما يندرج الحوار المفترض في إطار سياسي مؤدي ذلك ما يدفع هذا الحوار محمولاً على طاقة للحلم والدهاء والصبر إلى تحقيق أهدافه.
=KTML_Bold=استراتيجية الصبر=KTML_End=
عندما يندرج الحوار في إطار سياسي تتحول عموميات أي حوار إلى آلية تفاوض تفترض التعريف بالمصالح وتنازعها وتسويتها والتنازلات المتبادلة، وتعكس بشكلٍ أو بآخر موازين القوى ودرجة تعادلها أو اختلالها.
ومع واقع امتلاك القوى لوسائل العنف المادية، فإن حنكة سياسة من يمتلكها (أي وسائل العنف) أن لا يفرط في استخدامه، بل يختار الظرف المناسب لاستخدام العنف أو العدول عنه عند الضرورة، وهو ما تحكمه سياقات الصراع عموماً وإكراهاته المعنوية والمادية.
ومع أن (للصبر حدود) فلا آجال مفتوحة للصبر، إلا أنه لا غنى عن امتلاك مفاتيح الصبر الاستراتيجي وانتزاع الهدف بأقل قدر من الدماء والتكاليف الإنسانية.
=KTML_Bold=مثال الصين خير دليل=KTML_End=
جمهورية الصين الشعبية قادرة اليوم على إعادة تايوان إلى أراضيها خلال لحظات، ولكنها لم تفعل وهي قادرة على جعل قادتها يطلبون الانضمام مجدداً إلى أحضان الوطن الأم دون أن تستخدم طلقة واحدة تضحي بقطرة دم واحدة كما فعلت مع هونغ كونغ التي أعادتها سلمياً بعد انتهاء عقد إيجارها المئوي. الصين تستخدم كل الوسائل السلمية بما فيها ترويض الوحش المستثمر في النزاع الصيني- التايواني، والذي لا يكل ولا يمل لمنع وحدة البلدين.
=KTML_Bold=هل مَنْ ديمقراطية تفاوضية في سوريا؟=KTML_End=
ليس التفاوض إجراء ديمقراطياً بحد ذاته بل يصير كذلك تبعاً لغايته في تحقيق التحول والانتقال الواعي إلى مرحلة جديدة. ثمة مفاوضات تجري تحت النار. يكتسب التفاوض الديمقراطي جوهره بأهدافه الديمقراطية حكماً وآليات الوصول إليها.
المفكر الكردي التحرري عبد الله أوجلان يؤكد أنه بعد ثلاثة قرون من الحروب المدمرة والخسائر الكبرى التي شهدها العالم برزت الديمقراطية التفاوضية كنموذجٍ مهم للحل. مغزى هذا التأكيد يُقرأ في مستويين لهما علاقة بأجواء الواقع السياسي في تركيا والحرب المديدة بين حزب العمال الكردستاني والنظام التركي:
1/ الحل التفاوضي يُفضي إلى القطع مع الحرب ويؤسس لسلام أو هدنة، وهو ما نأمل أن تفضي إليه العملية السلمية في تركيا ومنعكساتها على العملية الديمقراطية في تركيا وعلى المحيط الإقليمي برمته حول تركيا.
2/ الديمقراطية التفاوضية تستلهم الصبر والحلم لتحقيق الهدف وبناء الخطوات حجراً حجر بأقل الخسائر والتكاليف.
بناءً على ما سبق يمكننا أن نمتحن واقع الديمقراطية التفاوضية الذي يكاد يكون صفرياً في ظل غياب سياق انتقالي طارد لكل معاني وقيم الديمقراطية، في غياب ثقافة الديموقراطية على كل مستوياتها. ولا يعدو عرضنا الآتي سوى تعبير عن مفارقات مريرة لمسارات متضاربة في جو ضبابي وسديمي لا وضوح فيه لأي رؤية في نهاية النفق الطويل.
كان بالمقدور تجنب الكثير من الكوارث التي جرت خلال العشر أشهر الماضية في سوريا وتداعياتها على البلد والناس. إن ما جرى نتاج قرارات وليست أقداراً حمقاء لا حول لأصحاب القرار فيها ولا قوة، بل نلاحظ إصراراً على ارتكاب الحماقات الواحدة تلو الأخرى بذرائع استنفاذ فرص التفاوض والحلول. يمكن ملاحظة الفوارق الجوهرية في طرق معالجة القوى السياسية في التعامل مع الواقع السوري الجديد بعد سقوط النظام السوري السابق.
يبرز موقف سلطة الأمر الواقع في موقفها الإقصائي تجاه مكونات المجتمع السياسي والمدني السوري والقفز فوق استحقاق العملية السياسية التي أقرها القرار الأممي/ 2254/ بدءاً من القفز فوق عقد المؤتمر الوطني التأسيسي واستبداله بمؤتمر حوار وطني مبستر، ومن دون مخرجات ملزمة، أي أنه كان شكلانياً وبلا محتوى. والأسوأ من ذلك ضيق صدرها أثناء معالجة المشكلات التي واجهتها سواء في الساحل من خلال ردها الدموي على عملية الفلول باستهداف دورية تابعة للأمن العام أو من خلال تعثر مفاوضاتها مع القوى والمؤسسة الروحية في محافظة السويداء، ما دفع بها لارتكاب أسوأ قرار ممكن أن تتخذه سلطة طرية العود باقتحام مدن وبلدات السويداء وارتكاب مجازر على أساس طائفي بغيض وإغلاق أي باب للحوار أو التفاوض وهو ما زاد في أعباء الجراح الوطنية السوريّة وزاد في تصدع الوحدة المجتمعية السوريّة التي تشكل نسيجها التاريخي خلال ال100 عام المنصرمة. بالمقابل تبنّت قوات سوريا الديموقراطية “قسد” رؤية واقعية تستند إلى مبدأ “استنفاذ الممكن”، وفضّلت سلوك طريق التفاوض والحوار مع السلطات الجديدة في دمشق بروح الصبر الاستراتيجي والمسؤولية الوطنية. قسد، رغم خلافاتها التاريخية والسياسية مع السلطة المركزية، اختارت التعاطي السياسي المرن، وركّزت على تحقيق مكاسب ثقافية وسياسية تخص الكرد السوريين، كضمان الحقوق اللغوية والإدارية ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن بنية الدولة الجديدة، ورغم تعقيدات الملف، إلا أن هذا النهج البراغماتي أفضى في الآونة الأخيرة إلى نتائج إيجابية ملموسة، تُرجمت بتقاربٍ جدي مع دمشق وملامح اندماج تدريجي وهي تسعى لانتزاع واستنفاذ الممكن وهذا هو فن السياسة ليس باعتبارها فن الممكن بل فن التمكين والبناء عليه. رغم ما تعترضه إرادات خارجية تدخلية تحاول وضع العصي في العجلات.
في المقابل، الشيخ حكمت الهجري تبنّى منذ اللحظة الأولى موقفاً متوجساً مشككاً من التغييرات التي حصلت في سوريا بعد سقوط النظام السوري، مع وصول هيئة تحرير الشام، وتفجر الخلاف بعد صدور الإعلان الدستوري الذي كرّس نمط حكم ديني احتكاري للسلطة فجّرت مواقفه الرافضة والحدّية شهية القتل والإجرام الطائفي على يد قوى تستمر بلغة القتل والعنف والإبادة، راح ضحيتها المئات من الأبرياء في محافظة السويداء في ظل “استنفاذ الممكن” من قبل سلطة الأمر الواقع من دون وجه حق مهما بدا الهجري بسقفه العالي ورفضه المستمر لعروض السلطة المراوغة وغياب بدائل العنف في أفق توجه سياسي يرفض اللجوء للعنف بأي حال من الأحوال.
=KTML_Bold=نظام دولة لم يولد بعد=KTML_End=
يبدو المشهد السياسي ضبابياً اليوم في سوريا. لم تستطِع سلطة الأمر الواقع تقديم نموذج بديل لدولة النظام البائد وأخفقت مغامراتها اللجوجة عن تحقيق نظام سياسي سوري جامع للجغرافيا السورية خصوصاً بعد وقوعها أي الحكومة في الفخ الإسرائيلي ومغامرتها غير البريئة في السويداء من جهة، وتذبذب موقفها التفاوضي مع قسد وعدم التوصل حتى تاريخه لاتفاق يُرضي جميع الأطراف.
في السياسة، الواقعية ليست ضعفاً، بل هي فن استنفاذ الممكن، أما المطالبة بالمستحيل فما هو إلا طريقاً للخسارة والخروج من المشهد والأهم أنها اقتصاد في استخدام وسائل العنف وتوفير الطاقات لأغراض التنمية والسلام. [1]