=KTML_Bold=التناقض التركي: خطاب السلام في شمال كردستان وممارسات الحرب في غربها=KTML_End=
كاوە نادر قادر
تُشكّل السياسة التركية تجاه القضية الكردستانية مثالًا واضحًا على التباين الحاد بين الخطاب السياسي والممارسة الميدانية. فمن جهة، تتبنى أنقرة بين الحين والآخر خطابًا يركّز على “السلام” و”التعايش” في شمال كردستان، وتلمّح إلى إمكانية استئناف عملية التسوية السياسية التي أُعيد الإعلان عنها في عام 2024. ومن جهة أخرى، لا تتردد في إطلاق التهديدات بالتدخلات العسكرية، سواء داخل حدودها أو في روج آفا شمال شرق سوريا، ما يثير تساؤلات جوهرية حول صدقية هذا الخطاب ودوافعه الحقيقية، خاصةً في ظل إدراك أنقرة للترابط الوثيق بين القضيتين روج آفا وباكور كردستان واعتبارهما جزءًا من منظومة الأمن القومي التركي.
يمكن تفسير الإعلان عن نية تحقيق السلام داخل تركيا من خلال سياقين متوازيين: الأول داخلي، يتمثل في حاجة الحكومة إلى تهدئة الأوضاع الأمنية في المناطق الكردية بعد سنوات من المواجهات، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمر بها البلاد. أما الثاني، فهو خارجي، ويتعلق بمحاولة تحسين صورة أنقرة على الساحة الدولية، خصوصًا في ظل الانتقادات المستمرة لسجلها في مجال حقوق الإنسان. ورغم أن هذا الخطاب يوحي بوجود استعداد للسير نحو حل سياسي، فإنه غالبًا ما يظل حبيس التصريحات دون خطوات عملية ملموسة.
في المقابل، يتسم الموقف التركي تجاه روج آفا بقدر أكبر من الصرامة. فالخطاب الرسمي يركّز على ما تعتبره أنقرة “تهديدًا أمنيًا” تمثّله قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، باعتبارهما امتدادًا لحزب العمال الكردستاني (PKK) كما تبرر لنفسها، وتستخدم الحكومة التركية هذا التوصيف كذريعةٍ لشن عمليات عدوانية جديدة أو توسيع انتشار قواتها على طول الحدود، هذا التوجه يعكس بوضوح أولوية الأدوات العسكرية في الاستراتيجية الإقليمية لتركيا، ويكشف عن التناقض بين دعواتها للسلام في الداخل وميلها للتصعيد المسلح في الخارج.
من منظور جيوسياسي، يمكن فهم هذا التناقض في إطار مساعي أنقرة لفرض معادلة أمنية خاصةً على حدودها الجنوبية، فهي تسعى داخليًا إلى القضاء على أي بؤر مقاومة مسلحة، وخارجيًا إلى منع ظهور كيان كردستاني مستقر في سوريا قد يشكّل نموذجًا ملهمًا لكرد تركيا. وتؤكد التصريحات التركية الرسمية باستمرار على “حق الدفاع عن الأمن القومي” ومنع قيام كيان كردستاني مستقل في الجوار، وهو ما يرسّخ في الوعي السياسي التركي الترابط العضوي بين باكور كردستان وروج آفا.
لكن هذا النهج ينطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة؛ فالتلويح الدائم باستخدام القوة ضد روج آفا يضعف فرص بناء الثقة في شمال كردستان، إذ يرى كثير من الكرد أن خطاب السلام ما هو إلا أداة تكتيكية لكسب الوقت أو امتصاص الضغوط الداخلية والخارجية. كما أن الجمع بين السلام المعلن في الداخل والحرب المحتملة في الخارج يقوّض أي إمكانية جدية لاستئناف مفاوضات الحل، ويعزز الانطباع بغياب رؤية شاملة لدى تركيا لمعالجة القضية الكردستانية.
خلاصة القول، إن التناقض التركي بين خطاب السلام في شمال كردستان والهجمات الاحتلالية على روج آفا ليس مجرد ازدواجية في المواقف، بل يعكس إشكالية بنيوية في السياسة الأمنية لأنقرة، التي ما زالت أسيرة المقاربة العسكرية – الأمنية تجاه القضية الكردستانية، رغم ما قد يترتب على هذا النهج من تكاليف سياسية وأمنية على المدى الطويل. [1]