روكان عفرين – روج دنيز قامشلو
أكد #صالح مسلم# على أهمية إجراء مراجعة شاملة للسياسات التركية وتصحيح الأخطاء التاريخية التي تعود جذورها إلى ما بعد توقيع معاهدة لوزان، مشيراً إلى أن حزب العمال الكردستاني دخل مرحلة جديدة تركز على الحل السلمي وبناء مجتمع ديمقراطي.
تحدث صالح مسلم، عضو هيئة رئاسة حزب الاتحاد الديمقراطي، لوكالة فرات للأنباء حول قرار حلّ حزب العمال الكردستاني والتحولات الاستراتيجية المرتقبة، وقال في مستهل حديثه: هذه خطوة تاريخية بكل المقاييس. فحزب العمال الكردستاني لم ينشأ من فراغ، بل ولد في مواجهة سياسات الإبادة والإنكار التي مارستها الدولة التركية بحق الشعب الكردي. لقد تأسس الحزب على أساس المقاومة، كضرورة وجودية، بقيادة حملت الوعي القومي والتحرري، واضطلعت بمهمة الدفاع عن وجود وهوية فرض عليها الامحاء.
وقال: اليوم يمكننا القول إن كثيراً من الأهداف الأولى للحزب قد تحققت: كسر سياسات الإنكار وتثبيت الوجود الكردي كحقيقة لا يمكن تجاهلها. لقد أصبح الشعب الكردي جزءاً فاعلاً من معادلات الشرق الأوسط، وفرض حضوره رغم كل محاولات العزل والإقصاء. حتى القوى المعادية اضطرت للاعتراف بهذا الواقع، وإن كان على مضض.
التاريخ يطالب حزب العمال الكردستاني بإعادة تشكيل ذاته
في هذا السياق، فإن إعادة النظر في البنية التنظيمية لحزب العمال الكردستاني لا تعني تراجعاً أو هزيمة، بل تعكس وعياً استراتيجياً بمتطلبات المرحلة الجديدة. قيل كثيراً إن الحزب انهار، لكن الحقيقة هي أنه أعاد بناء نفسه كحركة نضالية أكثر شمولاً ومرونة. لقد قام بتفكيك بنيته القديمة، لا من منطلق الضعف، بل كجزء من مسار التجديد والتنظيم. هو اليوم شبكة واسعة من التنظيمات السياسية والاجتماعية والثقافية داخل كردستان وخارجها.
أما حمل السلاح، فقد كان دائماً وسيلة نضالية فرضتها طبيعة المرحلة وظروف القمع. لم يكن السلاح غاية، بل خياراً اضطرارياً في وجه العنف الممنهج ضد شعبنا. ومع التحولات الجارية، يعاد الآن تقييم هذه الوسائل بما يتناسب مع المتغيرات، دون التخلي عن جوهر النضال نفسه، هذا التحول لا يخص حزب العمال الكردستاني وحده، بل يعكس ضرورة أوسع لإعادة صياغة الاستراتيجية الكردية ككل. نحن في لحظة فارقة، لحظة تتطلب الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، ومن المقاومة الدفاعية إلى بناء مشروع متكامل للحرية.
على تركيا أن تواجه تاريخها وتصحح أخطاءها من لوزان حتى اليوم
وأشار صالح مسلم في حديثه إلى ما يسميه ب التوتر المزمن بين الكرد والأتراك، ويحدد معاهدة لوزان كمرحلة فاصلة في تاريخ العلاقة بين الطرفين. في هذا السياق، يرى مسلم أن التوترات الحالية ليست مجرد نتائج أو خلافات عابرة، بل هي انعكاس للأخطاء التاريخية التي ارتكبتها الدولة التركية منذ معاهدة لوزان وحتى يومنا هذا. وشدد على ضرورة أن تتحمل الدولة التركية مسؤوليتها في تصحيح تلك الأخطاء، قائلاً: المطلوب من الدولة التركية هو تصحيح أخطائها التاريخية التي امتدت لعقود طويلة.
ونوه مسلم إلى أن معاهدة لوزان لم تكن مجرد اتفاقية حدودية، بل كانت خطوة محورية في إنكار الوجود الكردي. حيث كانت هناك محاولات لتهميش هوية الكرد وثقافتهم وتاريخهم في محاولة لفرض قوى الدولة الحديثة على حساب التنوع التاريخي. قبل لوزان، كان هناك تاريخ مشترك بين الكرد والأتراك، إذ كان هناك اتفاقات وبرلمان مشترك يعكس توافقاً حضارياً، ولكنه في معاهدة لوزان تم تجاهل هذا كله، لتبدأ سلسلة من الإبادة الجماعية والمجازر التي أودت بحياة الكرد وحقوقهم.
وعلى مدار المئة عام الماضية، كان الكرد يقاومون هذا التدمير الثقافي والجسدي، حيث لم يتوقفوا عن نضالهم من أجل الحفاظ على هويتهم التاريخية والثقافية. إن مقاومة الكرد لم تكن مجرد تصدي لحملات عنيفة ضدهم، بل كانت أيضاً تعبيراً عن حقهم في الوجود، والاعتراف بهم كأمة ذات هوية وتاريخ وثقافة.
تأسيس حزب العمال الكردستاني كان في إطار الدفاع المشروع
قال صالح مسلم: لقد انتهجت الدولة التركية سياسة التهميش والاضطهاد بحق الشعب الكردي على مر التاريخ، وكان الهدف منها دفع الكرد نحو تأسيس حزب العمال الكردستاني وحمل السلاح للدفاع عن أراضيهم. وأضاف: تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 وبدأ حمل السلاح في 1984، إذ تمثل هدف تأسيس الحزب في إيقاظ الشعب الكردي الذي كان قد ارتضى العبودية، ثم انتفض ضد الظلم والتهميش، متحدياً الدولة، ودافع عن نفسه وحمى أرضه عبر الانتقال إلى الجبال، ورغم ذلك، استمرت الدولة في هجماتها العسكرية ضد الشعب الكردي، متقدمة نحو هدفها في السيطرة على الأرض.
وأوضح صالح مسلم أن محاولات وقف إطلاق النار وتحقيق السلام عبر التاريخ كانت غالباً ما تصطدم بالعوائق والعوامل الخارجية، وتابع قائلاً: حتى في عام 1993، عندما تم إعلان وقف إطلاق النار، توصل تورغوت أوزال إلى استنتاج أن القضية الكردية لا يمكن القضاء عليها، لأن الكرد لديهم تاريخ طويل من النضال وقد نظموا 28 انتفاضة ولكن الدولة التركية لم تتقبل هذه الحقائق فاغتالت تورغوت أوزال ومنذ ذلك الحين شنت حرب شرسة ضد الكرد.
وأضاف: بعد ذلك كان هناك الكثير من المحاولات حول اتخاذ الخطوات الإيجابية نحو السلام، مثل عام 1998 خلال فترة حكم اربكان، تم اتخاذ خطوات إيجابية نحو السلام، لكن تم إلغاء تلك المبادرات أيضاً وفي عام 2007، أثناء مفاوضات أوسلو حاول الكرد مرة أخرة التوصل إلى حل وكان ردهم دائماً إيجابياً ومقبولاً لكن بعض الأطراف استمرت في وضع العراقيل أمام نجاح هذه المبادرات.
وأشار صالح مسلم إلى أن الشكوك مازالت قائمة في هذه القضية لأن الدولة التركية لم تغير من سياساتها ولا تزال تسعى لتدمير الهوية الثقافية الكردية، لذا على الدولة التركية أن تتخلص من الشوفينية والعنصرية التي تمارسها لابد من مواجهة هذه العقبات والتغلب عليها من خلال الحوار الجاد والصريح.
لا بد من نضال حقيقي في مواجهة هذه العقلية
وأوضح مسلم أن أحد الأشخاص الذين كانوا معادين للكرد على مر التاريخ هو دولت بهجلي، إلا انه اليوم يشارك في العملية السياسية، قائلاً: منذ عام 1960 وحتى اللحظة، كان الشخص الأكثر عداءً للكرد والمعرقل لتقدمهم هو دولت بهجلي، لكنه اليوم يقود هذه العملية وهذا يعني أنهم أدركوا أن طريقهم كان مسدوداً وغير مثمر بما في ذلك أولئك الذين تخلوا عنه وكذلك أولئك الذين لا يزالون يرفضون الاعتراف بوجود الشعب الكردي.
وأضاف: نعم، هناك صعوبات جمة في تلك المنطقة، ولكننا كشعب كردي نحتاج إلى مساعدة مؤسساتنا وأصدقائنا للتخلص من تلك العقلية، غير أن ذلك ليس بالأمر السهل، ويتطلب منا النضال المستمر.
وأشار صالح إلى أن القوى الدولية تتصرف وفقاً لمصالحها الخاصة، قائلاً: القوى الدولية تتعامل وفقاً لمصالحها الذاتية. لقد وضعت بعض المعايير المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق المرأة والعديد من القضايا الأخرى، ولكن عندما تتعارض مصالحها مع تلك المعايير، فإنها تتجاهلها تماماً. يجب علينا أن نجعلهم يدركون أن الحرب الدائرة في المنطقة تضر بهم أيضاً.
وتابع: هناك أطراف ترغب في أن يسود الاستقرار والسلام في تركيا وسوريا والشرق الأوسط بشكل عام. وينبغي أن تطبق نفس المعايير المتعلقة بحقوق المرأة والطفل في منطقتنا كما تطبق في مجتمعاتهم.
وأكد أن ما يجب على القوى الدولية فعله في هذه المرحلة هو أن تكون ضامنة لهذا السلام، فالكرد كانوا دوماً على استعداد لهذه اللحظة، لكن الدولة التركية، للأسف، ترفض هذا الحل.
لقد عرّف الكرد أنفسهم من خلال نضالهم
قيّم صالح مسلم تحول العقلية السائدة وموقف الشعب حيالها قائلاً: المسألة برمتها تكمن في تغيير الذهنية فإذا ما تبدلت هذه العقلية وتقبلت وجود الشعب الكردي وأرست أسس التعايش الحقيقي فلن تبقى هناك أزمات عندها، وستشهد الشرق الأوسط نهضة شاملة، أما إن بقيت تلك الذهنية العدائية التي تغذي الكراهية تجاه الكرد، فأن أفق الحل سيظل مغلقاً.
ولقد أثبت الشعب الكردي، ولاسيما في روج آفا كردستان من خلال صموده في وجه الإرهاب والاحتلال التركي وحتى عبر ممارسته حق الدفاع المشروع أنه شعب لا يكسر وأنه قادر على المقاومة مهما عظمت التحديات.
واليوم تبقى الكرة في ملعب الدولة التركية، إلى أي مدى ستقبل بحقيقة وجود هذا الشعب؟ إلى أي حد ستتخلى عن سياسة الإقصاء والإنكار؟ فحين تتعرف بالكرد كجزء أصيل من نسيج هذه المنطقة يصبح من الممكن أن يحيا سائر الشعوب بكرامة وحرية وسلام.
وتابع مسلم حديثه قائلاً: لقد بدأ نضال الشعب الكردي، على أقل تقدير، في ثمانينيات القرن الماضي، وقد قدم تضحيات عظيمة في سبيل حريته وكرامته. لم يكن هذا النضال مجرد رد فعل عابر، بل مسيرة طويلة من الصمود والتمسك بالهوية، امتدت حتى عام 2015، وهو العام الذي شهد نقطة تحول خطيرة، حيث شرع النظام التركي في تنفيذ مخطط ممنهج لتدمير الوجود الكردي، خطة يجري تنفيذها منذ عقد من الزمن.
وقد انهار الاقتصاد التركي تحت وطأة هذه السياسات العدوانية، وخسرت كردستان وتركيا معاً الكثير، بل كل شيء. آلاف القرى احترقت، وذاكرة الأرض امتلأت بالرماد. هذه ليست مجرد أرقام، بل شواهد على حرب لا تعترف بالإنسان ولا بالكرامة.
وإنكار الدولة التركية هوية ووجود الشعب الكردي لن يمر دون ثمن، فنتائج هذا الإنكار لا تقتصر على الكرد وحدهم، بل ستطال الشعب التركي أيضاً، لأن الظلم لا يعرف حدوداً قومية، ومآلات القمع تعود على الجميع.
لقد دافع الشعب الكردي عن نهجه وخطه السياسي والثقافي، وبرزت هويته في وجه محاولات الطمس والإمحاء. لقد اختار الالتزام بثقافته، وصون إرثه، ولهذا السبب، فإن فكرة الاستسلام باتت بالنسبة له شيئاً من الماضي. فشعب اعتاد على خوض المقاومة لا يقبل العودة إلى قيود العبودية.
الديمقراطية ثقافة ويجب أن تبنى على التعاون
قال صالح مسلم: ثقافة القبول كانت راسخة في كردستان منذ البدايات، وفي هذه المرحلة يطلب من الشعب أن يتبنى الديمقراطية وأن يختار العيش المشترك متصالحاً مع ثقافته وهويته، فهذه القيم متجذرة في خصائص شعبنا وقد بلغ الوعي الشعبي مستوى يثقف فيه الإنسان ذاته وتغرس فيه بذور الديمقراطية كثقافة حياة لإشعار سياسي، فالديمقراطية في جوهرها ليست غريبة عن روح كردستان، فعلى مر العصور كانت هذه الأرض ملاذاً للشعوب، لأن القَبول والانفتاح سمتان أصيلتان في بلاد ميزوبوتاميا أكثر من أي مكان آخر.
على الحزب والمؤسسات أن يصونوا الديمقراطية
ولفت مسلم خلال حديثه الانتباه إلى أن الديمقراطية ليست ترفاً تنظيمياً، بل شرط وجود، فلا يمكن للأحزاب أو المؤسسات أن تنشأ وتزدهر في مجتمع لا يؤمن بالديمقراطية، وقال: الأحزاب والمنظمات لا تقام إلا لتنظيم المجتمع، وهي تبنى على أسس ديمقراطية راسخة. فلا معنى لحزبٍ أو مؤسسةٍ في غياب فضاء ديمقراطي يحتضنها. ومن هنا، يترتب على أحزابنا ومؤسساتنا واجب تاريخي يتمثل في الحفاظ على الديمقراطية، تعزيز ثقافتها، ونقلها إلى الأجيال القادمة. فالدولة الديمقراطية ليست ملكاً لفئة أو حزب، بل هي للجميع. وعلى هذا الأساس، يجب على كل فرد ومؤسسة أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية في هذه المرحلة، من أجل بناء مجتمع يليق بتضحيات شعبه.
يجب على التاريخ أن يعترف بتجربة حزب العمال الكردستاني
وفي ختام حديثه، شدد عضو هيئة رئاسة حزب الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم، على أن كل من يسعى لتحقيق الحرية، الديمقراطية وتقدم المجتمع، يجب عليه أن يتعرف جيداً على تاريخ حزب العمال الكردستاني. وقال: التجربة التي خاضها الشعب الكردي من خلال مؤسساته ومنظماته قد أصبحت اليوم نموذجاً يُحتذى به في جميع أنحاء العالم. ففي الوقت الذي تم فيه حلّ مئات الأحزاب والمنظمات التي تأسست نتيجة خطوطها الفكرية الخاطئة، التي جلبت الضرر لشعوبها، أثبت حزب العمال الكردستاني أنه يحمل رسالةً صادقة في السعي نحو الحرية. لذلك، فإن كل من يطمح إلى تحقيق الحرية، الديمقراطية ويرغب في قيادة شعبه نحو مستقبل أفضل، يجب أن يستلهم من تاريخ حزب العمال الكردستاني، الذي بقي صامداً حتى يومنا هذا.
وأضاف: الفكرة التي اقترحتها منظمة القائد آبو، التي بدأت بمشاركة سبعة أفراد، تطورت عبر الزمن وفقاً للاتجاه الصحيح، بثقة راسخة في قوتها، فاستمرت في السير على هذا النهج وثابتة على قدميها في مواجهة التحديات. إن التاريخ يجب أن يتعلم من هذه التجربة العميقة، لأن كل من يرغب في تقديم مساهمة حقيقية للمجتمع، عليه أن يدرك تماماً دور حزب العمال الكردستاني.[1]