الساحل السوري.. جرائم وانتهاكات تتحمل مسؤوليتها سلطة دمشق
حمزة حرب
الساحل السوري يوم
07-03-202507-03-2025 ليس كما قبل، فقد وقع المحظور وحصل ما كان يخشى منه الجميع، مجازر ترقى لجرائم ضد الإنسانية وجرائم حربٍ موصوفة بلا شك تتحمل مسؤوليتها السلطة الموجودة في دمشق؛ لأن المجموعات التي ارتكبت هذه الجرائم تنضوي تحت رايتها ومن المفترض أنها تأتمر بأمر وزارة الدفاع، يؤكد خبراء عسكريون ذلك.
ما جرى في الساحل ومحتمل أنه ما زال يجري، ليس مجرّد صراع، بل مجازر نفّذت بدم بارد، دون محاسبة، أو عدالة بينما السلطة منهمكة في تفصيل إعلانٍ دستوريٍ على مقاسها، إلا أن هذا الإعلان لم يلقَ قبولاً شعبياً لازالت المناطق السورية تعبر عن رفضها المطلق وتنظر إلى هذا الإعلان على أنه تكريس للسلطة وتكرار لآلية حكم النظام السابق.
مجازر على أساس طائفي
فالمجازر لم تفرّق بين رجل وامرأة، بين شيخ وطفل، عائلات بأكملها أُبيدت بطريقة وحشيّة، المهاجمون داهموا المنازل، وسألوا السكان عن انتمائهم الطائفي، علويون أم سنّة، قبل أن يقرروا قتلهم أو العفو عنهم بناءً على إجاباتهم التي تكشف انتماءهم الطائفي، هذا ما نقله شهود عيان من الساحل السوري لصحيفتنا.
لم يكتفِ المهاجمون بالقتل، بل مارسوا أشكالًا مروّعة من الإذلال قبل تنفيذ المجازر، أُجبر الرجال على الزحف على الأرض، وصدر الأمر لهم بإصدار أصوات الكلاب، قبل أن يُقتلوا بدم بارد وتُرمى جثثهم في الأحراش من دون دفن، في محاولة لإخفاء الجريمة ومحو آثارها، هذه الأفعال لا تترك مجالًا للشك بأنّها لم تكن مجرّد عمليات انتقام.
رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري تحدث خلال تصريحاتٍ له عن “أكثر من
1500 شهيد مدني من أبناء الطائفة العلوية، وثقه المرصد ب56 مجزرة مرجحاً أن العدد قابل للارتفاع لأن المشهد تحول من حالة القتل الجماعي إلى القتل الفردي وذلك من خلال اعتقال بعض الأشخاص على الحواجز العسكرية ليعثر عليه في اليوم التالي مقتولين بين الأحراش”.
أما في دمشق، فلم تقتصر عمليات التحريض على وسائل التواصل الافتراضي أو المنابر السياسية، بل امتدّت إلى المساجد، حيث صدرت فتاوى علنية بعد صلاة التراويح في شهر رمضان، تدعو إلى القتل، حيث تحوّلت أماكن العبادة إلى منصّات للكراهية والتعبئة، وتم استخدام الشعائر الدينية كغطاء لإطلاق الدعوات وارتكاب المجازر.
جرى إطلاق النار على المتظاهرين في دمشق، فلم يكن الجميع راضين عن حمام الدم، الذي أغرقَ الساحل السوري، فقد خرجت تظاهرة سلمية مطالبة بوقف المجازر، لكنّ الرد جاء بالرصاص والشتائم من أشخاص مدنيين مناصرين لفكرة القضاء على العلويين.
لم يُسمح حتّى برفع الصوت ضدّ المجازر، بل قوبلت المطالب بوقف شلال الدم بالعنف أيضًا مع تهميش اللافتات الورقية والتعدي على كاميرات التصوير حتى لا يجري توثيق شيء مما حصل، وذلك في رسالة واضحة منهم بأنه لا مكان للسلام، وبأنّ سياسة الأرض المحروقة هي السائدة.
مراقبون يؤكدون، إن ما جرى في الساحات على خلفية المجازر، التي ارتكبت في الساحل السوري تؤكد للقاصي والداني أنه لا حرية للتعبير عن الرأي، وليس هناك حقوق للتظاهر السلمي، وإن المسببات التي قادت
لإشعال فتيل الثورة ودامت 13 عاماً حتى سقوط النظام هي ذاتها تتكرر اليوم، وربما بمشاهد أكثر قساوة فالشعب السوري لم يحقق شيئاً ملموساً سوى تبديل الأسماء والكراسي.
وفيما يخص المجازر الحاصلة في الساحل السوري أكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن: إن “من تولى مهمة لجنة تقصي الحقائق للكشف عن الانتهاكات في الساحل هو نفسه من كان يؤيد إبادة الكرد، وقتلهم في عفرين لذلك كيف لهذا الرجل أن يعترف بوجود مجازر، وهو من كان ينكر التجاوزات في حمص بحق أبناء الطائفة العلوية”.
فرغم توثيق المجازر وانتشارها علنًا، تسعى جهات معيّنة إلى طمس الأدلة، ومنع أيّ تحقيق دولي جاد، حتى مع دخول لجنة تابعة للأمم المتحدة إلى الساحل السوري، لا تزال هناك محاولات لإخفاء الحقائق والتلاعب بالروايات، في محاولة لحماية الجناة من المساءلة أو لرمي التهمة على جهة واحدة من بين الجهات المتحاربة، والتي لم يكن ضحيتها سوى أبرياء سوريين ذنبهم الوحيد، أنهم علويون.
من يتحمل المسؤولية؟
لم تُصدر السلطات الجديدة أي حصيلة رسمية دقيقة لعدد الضحايا، لكن التقارير الحقوقية تتحدث عن أعداد مروّعة وبعد الضغط الكبير إقليمياً ودولياً تعهد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي كان يقود هيئة تحرير الشام قبل توليه السلطة، بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
بينما يتمثل المشهد وفقًا لروايات الناجين وشهادات جمعتها منظمات حقوقية وصحفية، فإن عمليات القتل استهدفت مدنيين علويين بشكل خاص، وأن عائلات بأكملها، بما في ذلك النساء والأطفال والأفراد العاجزون عن القتال، قُتلوا في هجمات ذات طابع طائفي.
وخلال متابعةٍ حثيثة لصحيفتنا، التي حصلت على تصريحاتٍ خاصة أدلت بها مسؤولة المكتب الإعلامي في مجلس النهضة السوري راما حسين، أن ” مصطلح “فلول نظام” بمعناه الفضفاض أصبح يطلق على كل معارض لانتهاكات النظام الجديد، كما كان الحال مع مصطلح “مندسين” الذي كان يطلقه النظام السابق على كل من يعارض سياساته، فتم اليوم فصل أطباء، ومعلمين، ومهندسين، وعمال كهرباء بحجة فلول نظام قتل الأبرياء وطلاب الجامعات، وكبار السن والأطفال بحجة فلول نظام، وإلى الأن لم نعرف من هم فلول النظام؟”.
راما حسين بينت، أن “أهل الساحل أبدوا منذ الثامن من كانون الثاني
2024 حسن النية ومدوا يد العون إلى حكومة الأمر الواقع، وتم تسليم السلاح، وكل العسكر أجروا التسويات، وطيلة ثلاثة شهور لم تخرج رصاصة واحدة، وكانت طرطوس جدا هادئة وفي اللاذقية حصلت بعض التجاوزات عولجت بتروي وحكمة، وبتعاونٍ شعبيٍ كبير لنزع فتيل الفتنة، والمذبحة لكن في السادس من آذار، وبعد هجوم مسلحين على قوى الأمن الداخلي حصل ما كان يخشاه الجميع، وهو إعلان المذبحة بحق الشعب العلوي”.
مضيفةً، إن “المشهد في المناطق العلوية من الساحل السوري شهد سرقات منظمة تقودها عصابات مسلحة تمثلت في التعدي على أملاك العلويين، حيث اعتبر هؤلاء الملثمون أي علوي عدوا لهم، ومن ثم تم إهدار دمه واستباحه أرضه، وعرضه لم يعد أحدا يأمن على ماله ولا على بيته، ولا على روحه، ولا على عرضه فحوادث خطف الإناث العلويات في حمص خير شاهد ودليل دامغ على حجم المعاناة، التي يندى لها جبين الإنسانية”.
هيومن رايتس ووتش طالبت: أن “تشمل المساءلة جميع الأطراف، بما فيها هيئة تحرير الشام وما تحويه من عناصر أجنبية جهادية غير سورية، تحمل فكراً متشدداً وتبوء مناصب في السلطة الجديدة إلى جانب ما يسمى بالجيش الوطني التابع لدولة الاحتلال التركي، اللذين لديهما تاريخ موثق من الانتهاكات الحقوقية”.
تحوّلت قرى ومدن الساحل السوري، خلال الأيام الماضية، إلى مسرح لعمليات قتل جماعية، استهدفت مدنيين، من الطائفة العلوية، وذلك عقب الهجمات التي شنّها مؤيدون للرئيس المخلوع بشار الأسد ضد قوات الأمن لكن كانت ردة الفعل، هي ارتكاب مجازر بحق طائفةٍ كاملة في جريمة ترقى لأن تكون جريمة ضد الإنسانية.
رأس الحربة في هذه الاعتداءات والانتهاكات والمجازر بحسب تقارير استقصائية كانت المجموعات المرتزقة التابعة للاحتلال التركي على رأسها فصيلا العمشات والحمزات، اللذين انضما لوزارة الدفاع ومن المفترض ان يأتمرا بأمرها، لكن على ما يبدوا أن ذلك مستبعد إلى الآن.
راما حسين أكدت، أن “بعض المجموعات المنفلتة حاولت رفع أعلام لقوات سوريا الديمقراطية، وذلك بهدف تشويه سمعة هذه القوات لدى شعب الساحل، لكنها كانت لعبة مكشوفة ومفضوحة من هذه العناصر فلا تواجد لقوات سوريا الديمقراطية، ولم ينجحوا في خلق حالة فتنة بين قسد وأبناء الساحل”.
كما بينت، أن “قوات سوريا الديمقراطية تحظى بقبول لدى الساحل، وأقول: إن أهل الساحل جميعهم يفضلون انسحاب الهيئة ودخول قوات سوريا الديمقراطية لأنها متنوعة ليست ذات لون واحد، وطابع واحد ليست إقصائية وتضم سوريين، وهي نموذج وطني حقيقي قريب من السوريين وليست كتلك المجموعات، التي لا تشبهنا نحن السوريين، وليست قريبة منا”.
ردود فعلٍ غاضبة
تزايدت الدعوات إلى التهدئة والحفاظ على السلم الأهلي في سوريا عقب الأحداث الأخيرة والمجازر، التي شهدتها مناطق الساحل، وأكد مشايخ ووجهاء محافظة اللاذقية على أهمية محاسبة المتورطين في أعمال العنف، معتبرين أن الحفاظ على السلم الأهلي مسؤولية وطنية مشتركة.
كما عبرت فعاليات مجتمعية في شمال وشرق سوريا وذلك من خلال تنظيمها تظاهراتٍ شعبية عارمة تؤكد الرفض، والغضب الشديدين تجاه ما يتعرض له الشعب في الساحل السوري مطالبين بتحقيق العدالة ومحاسبة الجناة بشكلٍ شفافٍ ونزيه.
ما يشهده الساحل السوري من جرائم ومجازر أثار حفيظة المجتمع الدولي، حيث وصفت ألمانيا المشهد القائم في الساحل السوري والتقارير التي تصدر عن هناك بأنها “صادمة”، في إشارة إلى تجاوزات وانتهاكات هي الأعنف في سوريا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، كما حملت الخارجية الألمانية الحكومة الانتقالية مسؤولية هذه الانتهاكات؛ لأنه يقع على عاتقها منع الهجمات والتحقيق في الحوادث ومحاسبة المسؤولين عنها.
وحثت الولايات المتحدة من جهتها السلطات السورية على محاسبة “إرهابيين متطرفين” نفذوا عمليات قتل في سوريا، وقالت: إنها تقف إلى جانب السوريين كما شدد من جهته مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك: إن إعلان السلطات المؤقتة نيتها احترام القانون يجب أن يتبعه إجراءات سريعة لحماية السوريين، وأن يتضمن ذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي انتهاكات وإساءات والمحاسبة عنها عندما تحدث.
وبهذا السياق وصفت راما حسين ما حدث في الساحل السوري على أنه انتهاكٌ صارخ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، مستندةً الى أن “المادة 33 من معاهده جنيف لعام
1950 على أنه لا يعاقب شخص تحت الحماية على جريمة لم يرتكبها.
العقوبات الجماعية محرمة ضد الأشخاص الذين تحت الحماية وملكيتهم محرمة، في سوريا ما حدث هو أن حكومة دمشق أعلنت النفير العام، وسمحت لكل حاقدٍ ولا يحمل في قلبه أي معنى للإنسانية في القدوم إلى الساحل، وهو ما مهد لارتكاب هذه المجازر.
كما اعتبر مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، أن “بيان مجلس الأمن الدولي بشأن أحداث الساحل السوري، كان رسالة تحذيرية للسلطة الانتقالية في دمشق مفادها بأنه لم يتم غض الطرف عن ارتكاب المجازر بحق السوريين”.
من جهته شدد المفوض السامي لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة السامي، فولكر تورك على إن قتل المدنيين في سوريا يجب أن يتوقّف فورا، ويجب إجراء تحقيقات سريعة وشفافة ونزيهة في عمليات القتل والانتهاكات الأخرى ويجب محاسبة المسؤولين عنها.
وما زاد الطين بِلّةً، وفاقم حجم المعاناة والرفض الشعبي العارم هو “الإعلان الدستوري” الذي فصلته سلطة دمشق على مقاسها فشكل حالة من الرفض والسخط لدى الكثير من المناطق خصوصاً الساحل وشمال شرق سوريا، والجنوب السوري، والحركات، والأحزاب السياسية على الساحة السورية لتشكل هي الأخرى رد فعلٍ غاضب تجاه السلطة.
راما حسين بينت من جانبها، أن “المشكلة أن هذا الإعلان الدستوري لا يحمل إلا مزيداً من الترسيخ لسلطه اللون الواحد، بينما يطالب الشعب السوري بسوريا حرة ديمقراطية دولة مواطنة ينعم الجميع فيها بحقوق متساوية، ومن سيكون ضامناً لهذه الحقوق هو العقد الاجتماعي، أو الإعلان الدستوري، أو الدستور مستقبلاً، وهذا ما لم نره في الإعلان الدستوري”.
فوسط كل هذا الغضب الشعبي لا تزال الساحة السورية تغلي على صفيحٍ ساخن، فلا التطورات الميدانية تشي بإمكانية الاستقرار، لأن الحقد والانتقام لن يبني عدالة انتقالية سليمة، وعلى الصعيد السياسي لن تنجح حكومة بلون واحد وطيفٍ واحد؛ لأن سوريا متعددة والسعي لأن تبقى متعددة حرة موحدة لا مركزية كي يرسو مركب السوريين على بر الأمان.
[1]