رؤية المفكر عبد الله أوجلان للقومية العربية والإسلام
د. علي أبو الخير_
نعود للفيلسوف عبد الله أوجلان…
وقبل كل شيء لابد أن نذكر إن القائد عبد الله أوجلان، كمفكر وقائد سياسي، يمتلك ما يجب على الزعيم أن يملكه، وهو يمتلك: كاريزما شخصية – ثقافة ووعي – قدرة على مخاطبة المثقفين والعامة على السواء، فجاءت خطاباته وكتاباته تصل للمتلقي الكردي بسهولة ويُسر، فالمثقفون يأخذون عنه من خلال كتبه، والعوام من الناس يأخذون من خلال خطبه… فهي خطب للكافة للمرأة والرجل والطفل.
وخلال نضاله السياسي والعسكري لم ينسَ رفع مستوى الفكر عند الشعب الكردي، فقد كان له دور ثقافي تنويري للكرد، بحيث يمكن القول إن نسبة الأمية في الشعب الكردي تكاد تكون معدومة، رغم كل المعوقات التعليمية والتربوية للكرد في أجزاء كردستان، ولكن نشاط حزب العمال الكردستاني والقيادة الواعية المثقفة للقيادة متمثلة في القائد عبد الله أوجلان، أعطى زخماً تربوياً للمرأة الكردية لتعليم أطفالها الفكر والثقافة الكردية فضلاً عن تعليمها للدين، فاختفت الأميّة الأبجدية، ولم يظهر إرهابيون من الكرد ولا فكر تكفيري، وهو ما يُحسَب للكرد بصورةٍ عامة، وللقائد عبد الله أوجلان على وجه الخصوص
القومية العربية والإسلام في فكر القائد أوجلان
ينحاز القائد عبد الله أوجلان لقضيته الكردية، ليس من مُنطلق قومي عنصري، ولكن من منطلق إنساني شامل، فهو لا يرفض أي قومية، إلا إذا أضحت عنصرية، وإذا كانت هذه هي رؤيته، فلا شك أن ينظر للقومية العربية من رؤيته نفسها للفكر القومي بصفة عامة.
القائد أوجلان يُعارض الدولة القومية، كما كتبنا من قبل، عن رؤيته للقومية والدين في صحيفة “روناهي” الغرّاء، ولكنه لا يعارض الدين، بل يرى أن الدينُ والفلسفة، بل وحتى المثولوجيا، هي ذاكرةَ المجتمعِ وهويتَه وقوةَ الدفاعِ الذهنيِّ لديه، ويرى إن الدولة القومية تصبح حملاً على الحرية والديمقراطية، عندما تتدخل فيها العنصرية القومية، وإن الدولةُ القومية هي الشكلُ الذي تَحَقَّقَ فيه الاحتكارُ الرأسمالي، وهي الدولة التي تحتكر الدين لخدمة مصالحها غير الإنسانية، وتصبح أداة في النظام الرأسمالي العالمي الظالم.
ورؤيته إذن للقومية العربية تنطلق من رفضه التام للعنصرية والشوفينية التي تتعارض أصلاً مع الدين، والإسلام لديه مكون حضاري تم تدجينه وخطفه من قبل الحكّام المستبدين طوال التاريخ، كما يرى أن القوميتين العربية والكردية تمازجتا في الحضارة الإسلامية، حيث يرى أنه وفي ظل الإسلام لم يكن هناك أي مشكلة بين القوميتين الكردية والعربية، بل كان هناك تكامل ومشاركة وتداول للسلطة السياسية والفكرية في قيادة الأمة الإسلامية بين القوميتين، وكان الكردي يشعر بأنه جزء من الحضارة الإسلامية، وبالتالي يساهم في تطويره ويضحي لحمايته من العدوان الخارجي، وللشعب الكردي إسهامات مُبهرة في الحضارة الإسلامية والعالمية، ومعظم إسهاماته في بؤرة النشاط العقلي، فالنهضة الإسلامية انتقلت للغرب الأوروبي من خلال علماء الفلسفة، وليس من شيوخ وفقهاء الدين، من كتب ابن رشد والفارابي وابن سينا والخوارزمي وابن النفيس، وليس من كتب ابن حنبل والترمذي وابن إسحاق وغيرهم المئات من علماء الدين، وقد تنتقل العنصرية الدينية إلى الشيوخ ولكنها لا تنتقل إلى علماء الفكر الإنساني الشامل، ولذلك فالحضارة انتقلت على أفكار العقل الإنساني، وهو ما يبحث عنه وفيه، ونبحث نحن أيضاً عنه.
يعرف القائد عبد الله أوجلان أن الكردي يحب اللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم، وبها يتعلم أحكام دينه، ولا يشعر بأي تعارض بين التمسك بقوميته والالتزام بدينه، وكما يقول الكاتب الكردي مفيد يوكسيل “نحن نحب العرب لأنهم نشروا الإسلام وجلبوا لنا هذا الدين العظيم”، وهذه النظرة الإيجابية هي التي كانت سائدة في ظل الحكم الإسلامي للمنطقة، وهو ما ذكره الكاتب الأستاذ (شاهو القرة داغو) في مقاله (إشكاليات العلاقة الكردية العربية)، في الموقع الإلكتروني https://www.ajnet.me/blogs/2017/5/31، فلقد ظلت العلاقات طيبة بين الكرد والعرب، ولم يحدث صراع عربي كردي في الأزمنة القديمة، ولكن الخلافات السياسية هي التي أحدثت الشرخ والصراع الاجتماعي بين العرب والكرد، وحاولت تمزيق المجتمع وإضعافه عن طريق إدخاله في حالة من الكراهية والانتقام وزرع الفتنة بين القوميتين، ففي ظل الأنظمة القومية مثل حزب البعث في العراق وسوريا والقومية الطورانية التركية، تسببت في وجود إشكاليات مستمرة.
كل ذلك أدى إلى تحول القائد أوجلان للفكرة الجديدة الرائعة، وهي الأمة الديمقراطية، والتي انتقل منها من القومية إلى الأمة ومن الاستبداد إلى الديمقراطية وهي فكره نبيلة، لأنها تخدم العرب والكرد والترك وباقي دول المنطقة تُطفئ الحروب وتعمم السلام، وتبعد الدين عن صراعات السياسة والسياسيين.[1]