دور المرأة في الحفاظ على التراث المادي واللامادي
فريال جولي
للمرأة دور كبير في بناء المجتمعات فهي تعدّ الأساس المتين والبنيان الراسخ، والركيزة الأكثر أهمية وقيمة في بناء المجتمعات وتطويرها، نظراً لأنها تلعب دوراً حيوياً في مختلف جوانب الحياة، سواء على المستوى الاجتماعي، الثقافي، أو الاقتصادي؛ من خلال مساهمتها الفعالة في دعم المجتمع، وقد استطاعت عبر تاريخها الطويل ونضالها المستمر من أن تحقق تقدماً كبيراً في الحفاظ على الهوية الوطنية، وحماية العادات والتقاليد، إضافة إلى القدرة على الحفاظ على التوازن بين الحداثة والتمسك بالأصالة.
وهي تساهم إلى جانب ذلك في دعم المجتمع من خلال مشاركتها في العمل والتعليم، إضافة إلى دورها في بناء الأسرة، وتعد عنصراً هاماً في تعزيز التكافل الاجتماعي، سواء عبر عملها التطوعي، أو من خلال مواقفها الريادية، وقد كان لها دور فعال في قيادة مبادرات مجتمعية مثل التعليم، الصحة، والرعاية الاجتماعية.
وفي زمن تتسارع فيه التغيرات الاجتماعية والثقافية، تظل المرأة حجر الزاوية في حفظ التراث الثقافي، سواء كان ملموساً كالمعالم والحرف، أو غير ملموس كموروثات الذاكرة الشعبية. فالمرأة ليست مجرد ناقلة
للتقاليد، بل حارسة مبدعة تُحيي الهوية الثقافية وتُغنيها بروحها.
وقد أولى القائد (عبد الله أوجلان) أهمية كبيرة لدور المرأة في المجتمع، وامتد هذا الاهتمام ليشمل رؤيته حول التراث الثقافي، سواء المادي أو اللامادي، وإن لم يستخدم دائماً هذه المصطلحات بشكل مباشر. لكن من خلال فلسفته، يمكن استخلاص مواقف واضحة تؤكد أن المرأة هي “مفتاح الحياة”، وأنها الحارسة الأولى للهوية الثقافية والاجتماعية.
فهو:
– يرى أن تحرر المرأة شرط لتحرر المجتمع، وأنها ليست فقط نصف المجتمع، بل هي من تنقل القيم والمعارف عبر الأجيال.
– يشير إلى أن المرأة كانت عبر التاريخ الناقل الأساسي للمعرفة الشفوية، من حكايات وأساطير وأغانٍ شعبية، وهي بذلك تحفظ التراث اللامادي.
– يعتبر أن المرأة هي الذاكرة الحية للمجتمع، وأن تهميشها يعني تهميش التاريخ والثقافة.
– يربط في كتاباته بين التحرر الوطني والتحرر الثقافي، ويضع المرأة في قلب هذا المشروع، معتبراً أن مشاركتها في الحياة الثقافية والسياسية ضرورية لحماية التراث من الاندثار.
ومن أقواله التي تناولت وبينت دور المرأة في الحفاظ على التراث المادي واللامادي:
“المرأة هي الحياة، ومن دونها لا يمكن الحديث عن ثقافة أو حضارة.”
“إذا أردت أن تعرف مدى تحضر مجتمع، فانظر إلى مكانة المرأة فيه.” “المرأة الحرة تعني مجتمعاً حراً، وثقافة حرة، وهوية لا تُمحى.”
وفي مجتمع مثل مجتمعنا، يشكل نسيجاً فسيفسائياً مميزا من خلال تناغم جميع الأطياف والمكونات وعيشها المشترك والموحد فيما بينها من دون أية هموم تطفو على السطح، أو تستجد على الساحة العامة للحياة، وتمنعها من القيام بدورها على أكمل وجه، تقوم المرأة بأدوار كبيرة صارت مثار إعجاب جميع من في العالم، فقد سطرت ببطولاتها وتضحياتها أكبر الملاحم وصارت قدوة ومنارة تهتدي بها شعوب العالم أجمع نظراً لشجاعتها المنقطعة النظير في كافة الميادين، حتى في ساحات القتال والمعارك التي أثبتت بحق أنها قادرة على أن تواجهها بروح معنوية عالية وتضرب مثلا أعلى في النضال، ومن خلال ذلك، وبهذه الأعمال البطولية تلعب دوراً بارزاً في الحفاظ على الهوية
الوطنية، إذ تعدّ الناقل الرئيس للثقافة والعادات من جيل إلى آخر، وتبدأ هذه المسؤولية في الأسرة، حيث تعلّم الأطفال اللغة، العادات، والتقاليد؛ فهي الحامية الأولى للغة الأم، والمساهمة في غرس شعور الانتماء للوطن؛ إلى جانب ذلك، تظهر المرأة دوراً فعالاً في المجالات الثقافية والفنية، إذ تعبر من خلال الأدب، الموسيقى، والفن عن الهوية الوطنية بطريقة تحفظ التراث وتعرضه للعالم بأسره، وتحمي العادات والتقاليد التي تشكل نسيج المجتمع. فهي تمثل حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، من خلال نقل تقاليد الأسرة والمجتمع إلى الأجيال الجديدة.
ولتبيان أثرها الكبير في هذه المجالات لابد من أن نتقوف على:
أولاً: المرأة والتراث المادي
يشمل التراث المادي ما نلمسه من فنون وآثار وأزياء، وهنا تلعب المرأة دوراً محورياً:
– الحرف اليدوية: من فنون التطريز والنسيج التي تعكس رموزاً محلية، إلى صناعة الفخار والسلال التي تحافظ بها المرأة على جذور الصناعة التقليدية.
– الأزياء التراثية: ترتديها في المناسبات وتنقلها لبناتها، فتحفظ عبرها الحكاية والهوية.
– الترميم: تساهم النساء، خصوصاً في القرى، بترميم البيوت الطينية وزخرفة الجدران، فتُعيد الحياة إلى ما أوشك على الاندثار.
ثانياً: المرأة والتراث اللامادي
المرأة هي الذاكرة الشفوية التي تحفظ:
– الحكايات والأساطير: ترويها الجدات فتغرسها في وجدان الأطفال.
– الأغاني والتهاليل: من زغاريد الأعراس إلى ترانيم المهد، تحتفي المرأة بالحياة من خلال الصوت.
– الطقوس: تقود المناسبات بطقوس تحمل رموزاً عميقة تكرّس التقاليد.
– المهارات التقليدية: كفنّ الطهو، والزينة بالأعشاب، والعلاجات الطبيعية، التي تُنقل بالممارسة والحنكة.
ثالثاً: المرأة كحارسة للهوية الثقافية
ليست المرأة مجرد حافظ للتراث، بل مبدعة فيه:
– تضيف لمساتها الخاصة على الأزياء والأغاني، وتمزج بين الجذور والحداثة.
– تزرع القيم في أبنائها: الكرم، الصبر، والانتماء.
رابعاً: التحديات
رغم دورها الحيوي، تواجه المرأة تحديات:
– تغوُّل الحداثة والعولمة.
– تهميش دورها في بعض المجتمعات.
– غياب التوثيق لما تحمله من معارف.
خامساً: كيف نمكّن المرأة في حفظ التراث؟
– كتابة القصص والأغاني والحِرف.
– إدراج مساهمتها في المناهج الدراسية.
– دعم مشاريعها التراثية اقتصادياً.
– تنظيم مهرجانات تُظهر إبداعها وإرثها.
فالمرأة ليست فقط حارسة للتراث، بل هي صانعة له، تنسج من ذاكرتها الجماعية خيوط الهوية، وتغزل من يومياتها ملامح حضارة. بحفظها للتراث المادي واللامادي، تضمن استمرارية الروح الثقافية، وتمنح الأجيال القادمة جذوراً راسخة وهوية نابضة بالحياة.
[1]