النساء يقدن التغيير في شمال وشرق سوريا
أهين سويد
في سوريا وعلى مدى عقود ظلت صورة المرأة محصورة داخل أطر ضيقة فرضها النظام البعثي: أم، معلمة، موظفة إدارية في أحسن الأحوال، ولكن دون أي حضور حقيقي في مواقع القرار أو في القطاعات التي يعتبرها المجتمع حكراً على الرجال مثل الأمن والطاقة والإدارة العليا. أما في شمال وشرق سوريا، فقد كسرت هذه القوالب بعد الثورة لتدخل النساء ساحات جديدة ولتصبح لاعبة رئيسية في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
اعتمد النظام البعثي لعقود على ترسيخ الأدوار الجندرية التقليدية. كان يشجع على تعليم المرأة، لكن دون تمكينها من اتخاذ القرار أو الانخراط في المجالات الحيوية. معظم المواقع القيادية، في الدولة والجيش والحزب، كانت تخصص للرجال فيما بقي دور المرأة رمزياً أو ثانوياً. كان العمل يقسم بصيغة “رجالي” و”نسائي”، وكأن المجتمع لا يرى المرأة إلا ضمن حدود معينة.
مع اندلاع ثورة روجافا عام 2012، تغيّر المشهد. تم تبني نموذج جديد يضع المرأة في موقع الشراكة الفعلية، لا الرمزية. أصبح للنساء دور محوري في السياسة والإدارة وحتى في القيادة العسكرية. واحدة من أبرز الأدوات لذلك كانت مبدأ الرئاسة المشتركة: أي أن كل منصب إداري من أصغر مؤسسة الى اكبر مؤسسة ضمن الإدارة الذاتية ويجب أن يدار من قبل امرأة ورجل معاً، بالتساوي ( الرئاسة المشتركة)
هذا المبدأ لم يطبق فقط في الشكل، بل أصبح ثقافة سياسية واجتماعية. النساء أصبحن إداريات مجالس، مسؤولات، وقائدات وحدات عسكرية وامنية. وتشير التقديرات إلى أن نسبة تمثيل المرأة في معظم مؤسسات الإدارة الذاتية بلغت 50٪.
اللافت اليوم أن المرأة في شمال وشرق سوريا لم تكتف بالقيادة السياسية، بل دخلت مجالات كانت تعتبر “مستحيلة” في السياقات التقليدية. من بين هذه المجالات: قطاع الطاقة. حيث تعمل النساء في تنظيم وتطوير قطاع الطاقة في المنطقة، بما في ذلك الكهرباء والنفط والغاز. وتعمل على تأمين احتياجات المنطقة من الطاقة، وتطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة، وتشجيع الاستثمار في هذا المجال. هذه القفزة لم تكن فقط خطوة نحو العدالة الجندرية، بل نحو إعادة بناء الاقتصاد المحلي بمنطق مختلف، تشاركي وديمقراطي.
التحول لم يكن عشوائياً. تم وضع أسس قانونية لحماية هذا المكتسب وضمان حماية انجازاتهن. ففي عام 2014، أُقر قانون المرأة (فيما بعد تحول اسمه الى قانون الأسرة) الذي حظر الزواج القسري، وتعدد الزوجات، والعنف الأسري، ومنح المرأة حق التملك والميراث الكامل وإرساء قواعد الأسرة الديمقراطية وتطبيق معايير التعايش الحر. ويتألف القانون من 6 أبواب: (الزواج، الطلاق، آثار الطلاق، نفقة الأقارب، الجرائم المتعلقة بالقرابة والأسرة)، ويتكون من 41 مادة.
الصورة النمطية للمرأة التي “لا تصلح” لقيادة أو لإدارة مصنع أو مشروع طاقة بدأت تتآكل. النساء في شمال وشرق سوريا هن اليوم مهندسات، وقائدات ميدانيات، وشريكات في صناعة القرار.
لكن هذا لا يعني أن الطريق بلا عقبات. لا تزال هناك مقاومة ثقافية من بعض قطاعات المجتمع ( العادات والتقاليد), إضافة إلى التهديدات المستمرة من دولة الاحتلال التركية ومرتزقتها وداعش، وكذلك تهميش واستبعاد المرأة في الحكومة الانتقالية في سوريا والقيود الاقتصادية التي تعيق توسيع هذه التجربة. ومع ذلك، فإن النساء في هذه المناطق يقدن مشروعاً يتجاوز “التمثيل النسائي”، إلى إعادة صياغة المجتمع على أسس العدالة والتكافؤ.
ما نشهده في شمال وشرق سوريا اليوم هو حالة نادرة في الشرق الأوسط هو مشروع اجتماعي وسياسي تشارك فيه النساء بنسبة فعالة، ويعاد فيه تشكيل أدوار العمل خارج القوالب القديمة.
[1]