من ركام الاستبداد إلى أفق التعايش، الطريق نحو سوريا جديدة
محمود عيسى
ليست هذه العبارة مجرد شعار، بل تمثل الأساس الذي يُبنى عليه أي مستقبل ممكن لمجتمع مزقته الحروب والأزمات. عندما يصل الوعي الاجتماعي إلى ذروته، يتجلى التضامن والتعاون والأخوة الإنسانية بين أفراد المجتمع كزهرة تنبت في الصحراء، لا تحتاج إلى شروط مسبقة من معرفة أو قرابة أو انتماء. إنها حالة من التناغم الإنساني الخالص، حيث يصبح الغريب أخاً، والجار سنداً، وتتحمل الجماعة مسؤولية الضعف. هذا هو الجوهر الذي يُعزز صمود المجتمعات الحقيقية ورُقيَّها.
ومع ذلك، فإن الخروج من دوامة الحروب المروِّعة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المدمِّرة، كما شهدت سوريا، يكشف عن جروح عميقة وتشوهات مؤلمة في جسد المجتمع.
دمشق، أقدم عاصمة مأهولة في العالم، تحولت إلى مسرح لمأساة تُختصر في كلمات: تصفية، قتل، نهب، خطف. الفظاعة لا تكمن فقط في الأفعال، بل في من يرتكبها: لم تعد السلطة بعيدة أو غازِياً أجنبياً، بل أصبحت اليد القاتلة والسارقة التي تنتمي إلى الحي نفسه، إلى البناء المشترك للحياة، إلى جارٍ كان يُعتبر يوماً جزءاً من نسيج الأمان.
هذا هو القاع الحقيقي الذي تهوي إليه المجتمعات عندما تتفكك روابطها، وتغيب العدالة، وتختفي المساحات المشتركة لتحل محلها علامات التقسيم الحادة: طبقية فاحشة، مناطقية مقيتة، طائفية مميتة. ينهار القانون الذي يُعتبر الحاجز الأخير أمام التوحش، فتظهر هذه التشوهات الاجتماعية بأبشع صورها، كوحش كاسر لا يقيده شيء.
السؤال المحوري الذي يبرز من بين الركام هو: ما سبب هذا الانقسام الذي أدى إلى هذا الانهيار؟
الأسباب تتشعب كجذور شجرة سامة، لكن الجذر الرئيسي في الحالة السورية، كما أراه، هو التربة الخصبة التي نمت فيها بذور الاستبداد والاستعلاء: أيديولوجيا حزب البعث.
لقد تربَّى جيلٌ بعد جيل على عقيدة أحادية قاتلة، وجهٌ واحد للدولة، صوتٌ واحد مسموع، هويةٌ واحدة مقبولة. أي تعدد أو اختلاف كان يُعتبر تهديداً وجودياً، لا غنىً أو إثراءً.
هذه الأيديولوجيا لم تُدمِّر مؤسسات الدولة فحسب، بل دمرت النسيج الاجتماعي من الداخل، وحولت “الآخر” المختلف – في فكره أو عرقه أو دينه – إلى عدو كامن أو خائن محتمل.
وما زاد الطين بلّة وأعطى لهذه الأفكار السامة قوة دفع دموية، هو ظهور الجهات المسلحة والأحزاب المتطرفة خلال سنوات الأزمة الطويلة منذ 2011. لقد ترسخت ثقافة الرفض المطلق: لا يقبل أحد الآخر إلا إذا انتمى إلى نفس الدائرة الضيقة – نفس المذهب، نفس العرق، نفس اللغة، نفس الراية. كان كل طرف، في معسكراته المتناحرة يبني جدراناً عالية من الشك والكراهية تجاه الآخر. هذا التشرذم لم يخدم إلا في ترسيخ تلك الأفكار البعثية الأصلية بشكل أعمق وأكثر دموية في عقول وقلوب ما لا يقل عن ثلث الشعب السوري، حيث تحولت “الأحادية” من سياسة دولة إلى عقيدة مجتمعية قاتلة.
في خضم هذا الظلام الدامس، أين يكمن الحل؟
تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا تُقدِّمْ إجابة عملية ملموسة، ودليلاً على إمكانية بناء بديل. لقد استطاعت، رغم كل التحديات الهائلة والحصار المفروض عليها أن تحقق نجاحاً ملموساً في اقتلاع جذور فكر البعث الأحادي من تربتها، واستبداله بقيم جديدة: التعددية، التعايش، المشاركة، والمواطنة القائمة على الحقوق والواجبات المتساوية. لقد حولت مناطق نائية ومهمشة كانت عرضة لصراعات الهويات، إلى نموذج – وإن لم يكن كاملاً – للسلام بين الأعراق والمكونات المتنوعة. أصبحت هذه المنطقة، رغم ضعفها في بعض المواقع وقوتها في أخرى، ورغم الحصار والحرب، نُصباً حياً لإمكانية العيش المشترك.
خلال بحثي ومعاشرتي للناس في مجتمعات شمال وشرق سوريا، اكتشفت حقيقة بسيطة ومزلزلة في آن معاً: ما عرقك؟ ما دينك؟ ما لغتك؟ كلها أسئلة فقدت قدسيتها المزيفة أمام سؤال واحد جوهري: كيف تكون إنساناً؟ لقد رأيت بأم عيني كيف أن الكرامة الإنسانية أصبحت هي المعيار الأعلى. في أفراحهم، تسمع ألحاناً كردية وعربية وسريانية متداخلة. في أحزانهم، تجد أكتافاً من كل الخلفيات تتحمل الأعباء. المسيحي يحضر عزاء المسلم، والعربي يرقص في عرس الكردي، والسرياني يتضامن مع العرب في محنتهم. المربع الضيق الذي يجمعهم لم يَعُد دِيناً أو لغة، بل إنسانيتهم المشتركة، ورغبتهم الجامعة في الكرامة التي تستحقها البشرية، وفي الحرية التي هي حق كل كائن يعيش على هذه الأرض. هنا، في هذا الاختبار القاسي، تتجلى الحقيقة: مستقبل سوريا لا يُبنى بالعودة إلى أحلام الواحدية البائدة، ولا بالاستسلام للتشرذم الطائفي، بل بتبني نموذج يعترف بالتنوع ويحترمه، ويبني دولة المواطنة المتساوية، حيث يكون القانون هو الضامن والحَكم. هذا هو الطريق من دوامة التشوه إلى رحابة المصير المشترك الذي نستحقه. نحن من نقرر… فلنقرر بناء سوريا جديدة على أسس الحرية والكرامة والمساواة الحقيقية.
[1]