الصراع بين إسرائيل وإيران (الضرب في إيران والأنين في تركيا)
التطبيع بين الأسد وأردوغان، كأن شيئاً لم يكن!!
ياسر خلف
ما جرى من تصعيد وتسارع في الأحداث بين إسرائيل وإيران، كان نتيجة حتمية لسنوات طويلة من الحرب بالوكالة بين أذرع إيران وإسرائيل في المنطقة (غزة – لبنان – سوريا – اليمن – العراق)، وهذا التصعيد اتخذ منحى دراماتيكي متباين في الفوز والخسارة لمناطق النفوذ وأدوات الحرب. فرغم حجم كبر الدولة الاسلامية الإيرانية “مساحة وسكانا” بسبعة أضعاف وأكثر، لكن القوة والتنظيم والتكنولوجيا العسكري رجَّحت ميزان الفوز لإسرائيل دون شك، وهذا واضح من الخط البياني للصراع الدائر حتى اللحظة الراهنة، حيث يمكن القول إن برنامج إيران النووي قد انتهى بالفعل”، وأن وكلاءها في المنطقة، حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا، والحوثيين في اليمن، بالإضافة الى أذرعها في العراق، قد تدهوروا وتفرقوا كأحجار الدومينو بسبب الهجمات الإسرائيلية المخطَّطَة لها بدقة في السنوات الأخيرة والمُصرَّحَة بها إسرائيلياً على لسان نتنياهو مراراً وتكراراً وسعيه لتغيير وجه الشرق الأوسط، سواء كان حرباً أم تطبيعاً.
فإسرائيل تتلقى دعماً واسعاً من أغلب دول الناتو، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة التي فتحت ترسانتها العسكرية والتكنلوجية والتقنية على مصراعيها لإسرائيل وبتوجيهها ضربة مباشرة لمفاعلات إيران النووية والتي على ما يبدو أنها أخرجتها من الخدمة تماماً، وبمقارنة بسيطة يتضح قلة الخسائر الإسرائيلية بالنسبة لخسائر إيران المهولة في وقت قصير من بدء الصدام المباشر بينهما.
وعلى النقيض تواجه إيران عزلة دولية وعقوبات اقتصادية منذ عقود، فكل استنزاف لقدرات إيران العسكرية والتقنية سواء كانت بشرية أو مادية تكبدها خسائر كبيرة، ومن الصعب تعويضها على المدى القريب، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال التصريحات الأمريكية والإسرائيلية من تحقيق أهدافها الاستراتيجية والعودة الى المهادنة والمفاوضات تحت ضغط النار واستسلام إيران الكامل لإملاءات التحالف الأمريكي الاسرائيل والمرجَّح ان يأخذ هذا المنحى كإجراء تكتيكي لطرفي الصراع، وهذه الرؤية التكتيكة بالنسبة لإيران لن تنفعها بشيء من الناحية العسكرية الميدانية، فهي قد تتلقى دعماً من روسيا والصين بشكل غير مباشر، لكن يبقى هذا الدعم خجولاً جداً مقارنة لما تحصل عليه إسرائيل من الغرب خصوصًا في اللحظات الحاسمة عسكريًا.
يمكن القول إن المواقف الاستراتيجية والمصالح الدولية لا تُبنى فقط على المعلومات الاستخباراتية، لكنها تبقى رهينة لموازين القوى والتفوق العسكري والاقتصاد وكسر العظم، إذاً فهي صراع البقاء بالنسبة لكلا الطرفين وبالتالي حتمية رضوخ إيران أمام خيارين صعبين لا ثالث لهما “المفاوضات أو الانهيار التام لنظامها القائم”.
لا يوجد منتصر في الحرب، وحدها الشعوب تدفع أثماناً باهظة نتيجة لذهنيات الاستبداد المتسلطة على رقابها ونصَّبَت نفسها خليفة لله، كما قال شاعر المقاومة الفلسطينية محمود درويش في آخر مرثياته (أنا لاعب النرد) ” ومصادفةً، صارت الأرض أرضاً مُقَدَّسَة ًلا لأنَّ بحيراتها وربُاها وأشجارها نسخةٌ عن فراديس عُلويَّةٍ بل لأن نبيّاً تمشَّى هناك وصلَّى على صخرةٍ فبكتْ وهوى التلُّ من خشية الله مُغْمىً عليه… ومصادفةً، صار منحدر الحقل في بَلَدٍ متحفاً للهباء… لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك من الجانبين، دفاعاً عن القائِدَيْنِ اللذين يقولان: هيّا. وينتظران الغنائمَ في خيمتين حريرَيتَين من الجهتين… يموت الجنود مراراً ولا يعلمون إلى الآن مَنْ كان منتصراً!”
بالنتيجة يمكننا القول إن إيران خاضت معركة خاسرة بكل الأحوال، وعلى ما يبدو أن أمريكا وإسرائيل لا رغبة لديهما حالياً في القضاء عليها بالكامل وإنما نزع مخالبها وأنيابها وترويضها من نظام ديني عقائدي فاشي معادي لإسرائيل والغرب إلى نظام هش خاضع لقوى الهيمنة المركزية التي نصبت الخميني في السابق وتعيد تركيب أحجار الليغو حسب ما تقتضي استراتيجية الشرق الأوسط الجديد.
وهنا بمكننا القول إن الكثير من الدول والقوى الإقليمية تعيد تقييماتها وحساباتها في ظل الضربات الأخيرة لإيران وفي المقدمة تركيا التي تتلمس الخطر المحدق بها، ولذلك تأتي التحركات الأخيرة من الدولة العميقة التركية لحل المسألة الكردية لإدراكها أن مشروع الشرق الأوسط الجديد لن يقف على أعتاب الأناضول، وهو ما صرَّح به العديد من القيادات التركية. بمعنى أكثر تجلياً الصفعة والألم لإيران واللطمة والأنين في تركيا.
إن العقلية الأيديولوجية المتعصبة للدول الدكتاتورية في منطقة الشرق الأوسط كانت ولاتزال السبب الرئيسي في الحروب والدمار والقتل والتهجير، وهذه السياسة المقيتة لا تزال مستمرة بأبشع صورها، فالتعصب الديني القومي هو أحد أبرز سمات هذه الذهنية التي تجد في وجود الآخر الخارج عن إرادتها خطراً حتمياً على وجودها، ويجب إبادتها بكل السبل وخاصة تسخير إرهاب الدولة المنظم وأدوات الحرب الخاصة.
على الشعوب التواقة إلى الانعتاق من نير الاستبداد والعنصرية والاحتلال أن تكون مستعدة لكل السناريوهات المحتملة في قابل الأيام، فعلى الصعيد الخارجي والميدان الدبلوماسي ينبغي على القوى خارج إطار هذه الدول المستبدة أن تتبنى النهج الديمقراطي ليكون بديلاً عن هذه النُّظم المتفردة في الإقصاء والإنكار والتعصب، فالأجواء الدولية باتت أكثر إدراكاً أن الأزمات المستفحلة في الشرق الأوسط عموماً لا تُحل إلا بإبعاد هذه الدول المارقة عن المشهد السياسي والسيادي، وهذا التوجه بات أكثر إلحاحاً من قبل نظام الهيمنة العالمية، وقد تكون الأيام القادمة حَبَالَى بالمفاجأة والتغيرات في موازين القوى بالمنطقة.
[1]