قسد هي وحدها من تحمل مشروع الأمن والاستقرار
رؤية في خريطة الضالعين بمفاقمة الأزمة السورية
محمد عيسى
في الوقت الذي تدمج فيه السلطات السورية الجديدة آلاف المقاتلين الإيغور في مرتبات الجيش العربي السوري، تقول تقارير إعلامية متداولة إنهم وعائلاتهم يمثلون الدفعة الأولى فقط من الذين سيتم دمجهم، ثم تجنيسهم وتوطينهم في أماكن يسكنها مواطنون سوريون ينتمون إلى مكونات أقلوية علوية أو مسيحية أو من نحو ذلك. وذلك بعد أن يكون السكان الأصليون قد هُجّروا في سياق عمليات تغيير ديمغرافي مبرمجة تُعدّ وتُخطّط لها استخبارات دولة مجاورة، في إشارة إلى نشاطات دولة الاحتلال التركي، التي باتت تتعامل مع الدولة السورية وشعوبها – ومنذ تولي حكومة الشرع الإسلاموية الجديدة – على أنها أراضٍ ومكونات تابعة لدولة الخلافة العثمانية المستحدثة.
هم دفعة أولى، وهناك دفعات لاحقة تقدّرهم مصادر بما يزيد على عشرين ألفًا، ويصلون مع عائلاتهم إلى ستة وثلاثين ألفًا، يتمركزون الآن في مناطق قريبة من الساحل السوري. ومما يجدر ذكره أنه تطور قد أثار قلقًا متزايدًا لدى أوساط دولية عديدة، عبّر عنه مندوب الصين الشعبية لدى الأمم المتحدة في آخر تصريح له، بقوله إن 3500 مقاتل يتبعون للمنظمة الإسلامية في تركستان الشرقية قد وصلوا إلى سوريا، وقد قامت الحكومة السورية باستيعابهم ضمن الجيش. ومما يثير قلقنا، أن من مهامهم تنظيم وتنفيذ مجازر بحق مكونات سورية معينة…
في هذا المناخ من المجازر المبيّتة والمعلنة، وفي جو الجرائم والفوضى، الجو الذي تشير كل معاييره أن سوريا دولة تحتضر، يتجه انتباه الدارس ليس إلى حقيقة موقف السلطات الجديدة في دمشق من كل ما يجري – طالما درجت على أن تتحدث في هذه المسائل بلغتين – بل إلى موقف نخب المثقفين العرب السوريين الذين ملأوا الدنيا ضجيجًا حول نهج الأسد الطائفي واستبداده، وحول “الغول الإيراني” و”الهلال الشيعي” و”حزب الله”.
أما عن دمج الدولة السورية بكل مقدّراتها وتفاصيلها وخياراتها مع الدولة التركية ومخططاتها التوسعية، فهذا شأن آخر… ويحصل مثله كثير بين “إخوة الأرض والدين والمصير”.
فلنعترف أن خطط توطين جموع الإرهابيين الأجانب على حساب أبناء الوطن، لا تحظى بردّ كافٍ في أوساط الناشطين السياسيين والإعلاميين من التابعين أو المتأثرين بخطاب الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين. وليس هذا وحسب، بل تصل ازدواجية المقاييس عندهم إلى حدّ الصمت المطبق، والتبرير العلني لخطوات السلطة الجديدة التي ترمي لاستجداء الرضى الإسرائيلي، وتكرار جملة “عدم التسبب بإيذاء أمن الجوار”، في إشارة إلى إسرائيل… مرارًا في اليوم الواحد. وهم أنفسهم من أمضوا ردحًا من الزمن وهم يتشدّقون بتوجيه تهم التشكيك بموقف ما يدعونه “الأقليات” الدرزية والعلوية أو الكردية في قضية التعامل مع دولة إسرائيل.
ليصل اعتوار النظر عند “إسلاميي اللحظة الراهنة”، وفي رحلتهم لإرواء شهية التفرد بالسلطة، حدًا جعلهم يتعامون أو يفترضون أن السوريين بلا ذاكرة. وقد تناسوا…
إنه كلام في غاية الأهمية ويضع النقاط على الحروف في مسألة ملتبسة وقد كثرت حولها الافتراءات… ولا بد أن ينبري كثيرون للقول بأن كلام القائد مظلوم لا يخرج عن أن يكون “كلامًا تكتيكيًا”، والغاية منه هي الاستهلاك في قضايا الرأي العام… لكنه في الحقيقة كلام واقعي، ويضع المشروع الذي تنهض به قوات سوريا الديمقراطية في موقعه الصحيح. ويجب على المثقفين التأسيس عليه لفهم طبيعة الصراعات الدائرة في سوريا وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ولاستجلاء الصورة أمام شعوب المنطقة.
طالما أن المسألة التي نتناولها في موضوعنا، هي مواجهة مخاطر التهجير، واستشراء ظاهرة التغيير الديمغرافي، وانتشار فوبيا المجازر والتطهير العرقي والطائفي في أوساط ما يُسمى “الأقليات” في المجتمعات السورية، لذلك يجب أن يكون واضحًا أن سياسة التطهير والتغيير الديمغرافي قائمة في الأساس.
نعم، التطهير العرقي هو في صلب البناء الفكري لدعاة الدولة الإسلامية، وعند مؤسسي دولة إسرائيل. ورغم التناقض الظاهر على السطح بين الفريقين، فكلاهما يؤسس وجوده على نفي من يخالفه العقيدة أو المنبت، وعند كلا المشروعين نزوعٌ مشتركٌ لممارسة التطهير باستخدام القوة. وبالنتيجة، لا يوفر أيٌّ منهما عامل أمن واستقرار لشعوب المنطقة، طالما أصبح الحديث عن نقل المكونات “الغزاوية” أو “العلوية” أو سواها من منطقة إلى أخرى حديثًا واقعيًا ومتداولًا في الأوساط الإعلامية ووسط الرأي العام… كمن يتحدث عن نقل كيس من البطاطا أو الأرز.
من هنا، تبدو تصريحات قائد قوات سوريا الديمقراطية، لتنبيه المتابعين وأصحاب الرأي، إلى أن قوات سوريا الديمقراطية ليست فقط على مسافة من كلا الطرفين، بل هي البديل الموضوعي، الذي ليس في قيمه، ولا في أجنداته، تهجير أحد، أو التقليل من دور أحد، أو…
وإذا كان ذلك المنظور الفكري والسياسي لمشروع الأمة الديمقراطية، المبني على تآخي الشعوب، وزرع روح التشاركية في ثقافتها، يشكّل أفقًا ومعادلًا يعطي فريق “قسد” – وبما لا يدع مجالًا للشك – تفوقًا ورجحانًا أخلاقيًا وإنسانيًا في ذهن شعوب المنطقة العربية والإسلامية، فإن من السذاجة الفكرية والسياسية أيضًا، أن يركن فريق واسع من المثقفين العرب والمسلمين تحت ظل انطباع خاطئ ودارج ومغفّل، مفاده أن “قسد” صديقة إسرائيل أو حليفها.
بل الصحيح والواقعي في هذه المسألة، هو أن “قسد” صاحبة موقف غير متصادم مع إسرائيل، بمعنى أنه لا توجد مشكلة عالقة الآن بين “قسد” وإسرائيل، لكن “قسد” وبالاستناد إلى التصوّر الذي تقدمه التجربة النضالية ومبادئ الفلسفة الأوجلانية، تنظر إلى إسرائيل على أنها، في مناخ المنطقة، وفي إطار البحث عن الخلاص من مأزقها كدولة ثنائية الهوية، لا مناص لها في النهاية من الالتحاق بمشروع الأمم الديمقراطية.
Tags: قسد هي وحدها من يحمل مشروع الأمن والاستقرارمحمد عيسى
[1]