=KTML_Bold=قسد ليست مجرد قوة عسكرية=KTML_End=
أكرم بركات (صحفي)
برز اسم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في خضم الأزمة السوريّة المتشابكة، لا كقوة عسكرية فحسب، بل كمشروعٍ وطني متكامل يسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم القوة والسيادة والاستقرار. لم تكن قسد مجرد رد فعل على انهيار الدولة، بل مبادرة داخلية ولدت من رحم الفوضى، لتطرح نموذجًا مختلفًا في إدارة الحرب وبناء السلام.
في #10-10-2015# ، وبينما كانت المدن السوريّة تتهاوى أمام تمدد مرتزقة داعش، تأسست قوات سوريا الديمقراطية على أساس رؤية دفاعية وطنية جامعة؛ ضمت في صفوفها الكرد والعرب والسريان والتركمان والشركس، لتجسد عمليًا فكرة التعايش السوري المفقود، وتؤسس لتوازن بين شعوب كانت مهددة بالاقتتال والتهجير.
لم تكن نشأتها نتيجة قرار خارجي، بل استجابةً لحاجة داخلية ملحّة، في ظل تراجع القوى الوطنية التقليدية وانهيار المركز السياسي. وهكذا، برزت قسد كإطار جامع لحماية المدنيين، والتصدي للإرهاب، وملء الفراغ الأمني والإداري في شمال وشرق سوريا.
من الدفاع إلى الوجود
مثّلت مقاومة كوباني نقطة تحول مفصلية في تاريخ قوات سوريا الديمقراطية والمنطقة، فالقوات التي تصدت لهجوم داعش الكاسح بإمكانات محدودة، ونجحت في تحويل المدينة إلى رمز عالمي للمقاومة تحولت إلى نواة لبناء قوات سوريا الديمقراطية.
من رحم تلك المواجهة، تشكّلت عقيدة قتالية جديدة قوامها الانضباط والتخطيط والصبر. ومن كوباني انطلقت سلسلة معارك استراتيجية – من منبج والرقة إلى دير الزور والباغوز – انتهت بإسقاط آخر معاقل داعش عام 2019، في واحدة من أدق العمليات العسكرية في تاريخ سوريا الحديث. لكن؛ الانتصار العسكري لم يكن غاية بحد ذاته، بل بوابة نحو بناء نموذج إداري وأمني مستقر في المناطق المحررة.
=KTML_Bold=قيادة مسؤولة وتنظيم منضبط=KTML_End=
ما يميّز قوات سوريا الديمقراطية التي قوامها حوالي مئة آلف مقاتل ومقاتلة، عن معظم الفصائل والمجموعات السوريّة هو امتلاكها بنية قيادية متماسكة، قادرة على اتخاذ قرارات مدروسة بعيدًا عن الانفعالات أو الولاءات العابرة، فهي ليست مجموعات تقليدية، بل قوة منظمة ذات هرم إداري واضح، تستند إلى خبرات تراكمت عبر سنوات من المواجهة.
مقاتلوها يتميزون بالانضباط والتدريب المتخصص، ما مكّنهم من إدارة المدن وتأمينها بعد التحرير دون الوقوع في فوضى أو انتهاكات. وبينما غرقت معظم المناطق السورية في صراعات النفوذ والانقسامات، استطاعت قسد أن تخلق توازنًا دقيقًا بين الأمن والديمقراطية.
في شمال وشرق سوريا، تُدار المدن والمجالس المحلية من أبناء المنطقة أنفسهم، ضمن إطار إداري يقوم على التمثيل والتعدد والمساءلة. ورغم التحديات الأمنية والاقتصادية، نجحت التجربة في الحفاظ على مستوى استقرار نسبي نادر في الجغرافيا السورية.
تطرح تجربة قوات سوريا الديمقراطية سؤالًا جوهريًا حول مفهوم السيادة السورية، ففي حين تتقاسم القوى الأجنبية السيطرة على الأرض، تعمل قسد على ترسيخ نموذج سيادة محلية واقعية، تُمارس فيها المجتمعات إدارة شؤونها دون انتظار مركز سياسي مشلول. هذا المشروع، يمثل محاولة عملية لاستعادة فكرة الوطن من القاعدة إلى القمة، لا من العواصم إلى الأطراف. لقد أصبحت قسد رمزًا لواقع جديد في سوريا: واقع يُدار من الداخل، بإرادة محلية تسعى للحفاظ على ما تبقى من النسيج الوطني السوري.
لم يمر نجاح هذا النموذج دون ثمن. فتركيا ترى في قسد تهديدًا مباشرًا لمصالحها، وتواصل استهدافها عبر الهجمات الجوية والاحتلالات المتكررة. أما روسيا، فتتعامل مع الملف ببراغماتية، تستخدم قسد كورقة تفاوضية في وجه واشنطن، دون تبني موقف واضح.
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة دعم قسد عسكريًا في النضال ضد داعش، لكنها تتجنب تقديم ضمانات سياسية حقيقية تحفظ مستقبل التجربة من التهديدات الإقليمية. وهكذا، تجد قسد نفسها في موقع اللاعب والهدف في آنٍ واحد: تقاتل الإرهاب، وتحافظ على الاستقرار، وتواجه لعبة المصالح الدولية التي تسعى لتفكيك أي مشروع سوري مستقل.
=KTML_Bold=من البندقية إلى البناء=KTML_End=
إن اختزال قوات سوريا الديمقراطية في كونها قوة عسكرية هو تبسيط مخلّ لتجربة متفردة، فهي مشروع وطني يسعى إلى إعادة تعريف القوة في سياق سوري منهك – قوة تقوم على الوعي والتنظيم والانضباط، لا على الولاء الأعمى أو الشعارات.
لقد أثبتت التجربة أن الحرب قد تلد مشروع سلام، وأن إدارة الحرب يمكن أن تتحول إلى إدارة حياة. فقسد، بما تمثله من توازن بين المقاومة والبناء، تقدم نموذجًا يمكن أن يكون نواة لسوريا جديدة، تتأسس على العدالة والتنوع والمواطنة، لا على الخوف والانقسام.
بعد سقوط نظام البعث ووصول هيئة تحرير الشام إلى سدّة الحكم في دمشق، تم توقيع اتفاق بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع، ينص على دمج قسد ضمن صفوف الجيش السوري الجديد المزمع تشكيله. وبموجب الاتفاق، شُكلت لجنة عسكرية للتفاوض حول آلية الدمج.
وأكد سيبان حمو، عضو القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية وعضو اللجنة العسكرية، “إن قسد مستعدة للانضمام إلى الجيش الجديد، بشرط أن يتم الدمج على أسس تحترم هوية قسد ونضالها وتضحياتها، وتحفظ حقوق جميع مكونات الشعب السوري دون استثناء”. وشدد على أن الخطوات القادمة للحكومة الانتقالية في دمشق هي التي ستحدد مسار الدمج، مؤكدًا أن قسد ستظل قوة وطنية جامعة تدافع عن جميع السوريين حتى تحقيق نظام ديمقراطي عادل. [1]